في هذه الليلة أكتبْ. في هذه الليلة أخطف النجم قليلاً، أتأهبْ...، ربما أسطيع أن ألقاه نبضاً في حنين القلب لا يعلو ضياهْ...، وكيف لا... وله عليّ ما للنبتة الخضراءِ في أبها على رئة الحياةْ!.



فهل رأى أحدٌ مناراً يزدهي في ثوب نخلةْ...؟!، يزرع الأرض شموخاً.. ترتدي الآفاقُ ظلَّهْ...؟! هُزَّهُ يمنحك شمساً وربيعاً وشتاءً ومظلّةْ...، إنه عبق العطاء يعطر الأجواء حولهْ...!.



إنه الماءُ إذا ما جفت الأغصانُ واختنق الرحيقُ بجوف زهرةْ...، إنه النور إذا ما تاق للآمال أحرارٌ وثورةْ...، إنه الإنسان حين تبارك الدنيا خطاهُ ويعرف التاريخُ قَدْرَهْ...، إنه المأوى إذا تعب الغريب وساوم الترحالُ عُمْرَهْ...، هكذا أحمد عسيري... إن رأيت فقل: على الأرض السلام...، وفي وجوه الخلق ألوان المسرةْ!.



تلك الكلمات التي لا تفي ولو بقليل من حق وفضل هذا الرجل عليّ شخصياً، هي ما أردت أن أرددها على مسامعه في يوم تكريمه بنادي أبها الأدبي مساء الأحد الماضي، غير أن مراقبتي للزهو والافتخار والفرح في عيون الحاضرين وأنا أقوم بواجبي الصحفي، ألهتني عن واجبي الشخصي، فمعذرة أبا عبدالرحمن!.

والحقيقة أن خير أحمد عسيري الذي يتناثر في شعره ونثره فيعلّم أجيالاً ويغرس قيماً سامية في وجدان الناس، لا يتوقف عند حدود الفعل الكتابي فحسب، بل يتخطاه إلى السلوك الشخصي مع كل من يعرفه ومن لا يعرفه!.

وكنت واحداً من أولئك الذين نهلوا من خير أحمد عسيري على المستويين، ويكفي أنه الرجل السعودي الثاني، بعد أستاذي ووالدي محمد عبدالله بن حميد، أحد أعلام منطقة عسير، ورئيس نادي أبها الأدبي الأسبق، الذي أشعرني بأنني بين أهلي وعشيرتي بعد قدومي للمملكة بأيام قلائل.

وكم من أشياء صنعها أحمد عسيري لي ولغيري، دون غاية أو مصلحة شخصية، ومن ثم فإنني أرى أن تكريمه هو تكريم للقيم والمبادئ والنبل والعطاء والإنسانية التي تتجلى بكل صورها في هذا الرجل...!.

وكم كان مؤثراً أحمد عسيري حين قال لنادي أبها الأدبي يوم تكريمه: "شكراً لقلعة العلم والمعرفة وبيت الأدباء والمفكرين نادي أبها الأدبي، ولإدارته الموقرة وعلى رأسها الأستاذ أنور خليل، فهو يحاول إنصافنا ورد اعتبارنا وجبر خواطرنا ممن خطفوا منا كل شيء فأصبحنا كالأقداح المكسورة على قارعة الطريق، وأقصد بهم أهل الطرب والكرة المستديرة، مع احترامي وتقديري لبشريتهم، ولكن أن تصبح قضايانا الكبرى معرفة عدد أسنانهم وأكلتهم المفضلة وأرقام ملابسهم الداخلية وأن يتحولوا إلى رموز، فتلك ظاهرة مسلوبة الذهن والتفكير"!.

و... يا أستاذي لك دين في عنقي لا يستطيع الوفاء به إلاّ الحب الذي لا ينضب، فلتقبله برحابة صدرك التي عودتنا!.