كانت القبيلة في الماضي تمثل كل شيء بالنسبة لأفرادها، حيث كان شيخُ القبيلة شبهَ حاكم إداري لكامل المناطق التي تقطنها وتملكها تلك القبيلة، حتى المحاكم والشرطة لم تكن موجودة حقيقة؛ إلا ما يقوم به شيخ القبيلة من الحكم المباشر. وكان الناس يرون في القبيلة أو العائلة (الجماعة كما يسميها البعض) الملاذ الآمن من الأعداء واللصوص وما إلى ذلك. والسبب الأساس في ذلك الوضع هو ضعف سلطة الدولة في ذلك الوقت ونظرا لترامي أطرافها وكثرة البوادي والهجر.

وبحمد الله؛ فقد تلاشت سلطة مشيخة القبائل ونفوذها مع تنامي سلطة الدولة وإداراتها المتعددة، التي هي في الحقيقة سلطات متعددة ومختلفة المعايير والأعراف تحت سلطة شرعية، إلا أن هناك خوفا من تنامي الانتماء القبلي السلبي في مقابل الانتماء الوطني، مما قد يكون سببا في الفوضى -لا سمح الله- في حال أي ضعف في سلطة الدولة المركزية أو المحلية، وأيضا في حال نشوء أي نزاع قبلي. وكثيرا ما تكون النزاعات والتنافسات القبلية سببا في نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار، وذلك لما يخالط تلك النزاعات من التعصب والشحن العنصري الذي ينبني في الغالب على باطل أو شيء لا يستحق كل ذلك!

ومما يلفت الانتباه مؤخرا؛ انتشار القنوات القبلية، التي يكثر فيها التفاخر والتغني بتاريخ القبيلة، وهو أحيانا يعني التحرش بقبيلة أخرى كان بينهما ثأر أو نزاع، كما يحصل كثيرا في المحاورات الشعرية بين الشعراء -وليس فيها غالبا من الشعر الموزون شيء- من قبائل مختلفة بعضُ التحرش أو الانتقاص من قبيلة أخرى، مما يثير التعصب ورد الفعل السلبي. وأرى أنه من الواجب حيال هذه التصرفات أن تحارب من قبل المثقفين والمشايخ وكذا الدولة.

الحقيقة أن الدول الأكثر استقراراً، والتي يكون المواطنون فيها أكثر انتماء؛ هي تلك الدول التي لا يوجد فيها انتماء (عرقي) إلا الانتماء إلى الدولة. وكلما تعددت الانتماءات وكثرت ضعفت سلطة الدولة وضعف معها الاستقرار والأمن وخطر التمزق ودعوات الانفصال. كما أنه كلما ضعف التعليم والثقافة لدى الأفراد زادت احتمالية الاستجابة إلى الأفكار العنصرية والتعصب القبلي ونحوه، حيث إن الحقيقة التي لا شك فيها أن العرق واللون لا شأن لهما في القيمة الحقيقية للفرد.

ولا تُعارض هذه النظرية صلة الرحم والتقارب بين أفراد القبائل والعوائل الكبيرة، بل حضّ الإسلام على ذلك كثيرا وجعله من الأولويات، ولكن المحظور هنا هو الدور السياسي الذي تقوم به القبيلة، وكذلك التعصب الجاهلي للعرق أو القبيلة أو المنطقة. وقد سبق أن شرحت - في مقال سابق بعنوان نظام مكافحة التمييز والعنصرية - مدى الحاجة إلى علاج هذه الحالة (أعني التعصب والعنصرية) من خلال إصدار نظام لمكافحة التمييز والعنصرية وتكوين هيئة خاصة تُعنى بهذا الأمر، أسوة بكثير من الدول المتقدمة.

إن من أهم مقومات مقاومة سلطة القبيلة؛ أن هذه السلطة كثيرا ما تتخالط بالتعصب والافتخار القبلي الذي يتوازى مع احتقار الآخرين بناء على مجرد الانتماء لهذه القبيلة أو تلك. كما أن ذلك الانتماء يُعمي -أحيانا- أفراد القبيلة من النظر للمسائل بعين متجردة، ويدفع إلى نصرة القبيلة أو أحد أفرادها، بالإضافة إلى ما قد يتسبب فيه ذلك التعصب من ثأر وفوضى وما إلى ذلك.

هذا الطرح لا يعني أن هناك أزمة ما، بل ولله الحمد أن الناس انتشر فيهم التعليم والمعرفة الجيدة، بالإضافة إلى انتشار الوعي الديني بحرمة مثل تلك التصرفات وتعارضها مع الإسلام، ولكن نشوء بعض التصرفات الخاطئة بالإضافة إلى لزوم التنظيم المدني يجعل الأمر ملحّا لمعالجته.