كشف الدكتور أحمد ماطر عزم المتحف البريطاني تنظيم معرض عالمي ضخم عن "الحج" في لندن يخصص بالكامل لعرض الوثائق والصور والخرائط وتاريخ رحلات وطرق الحجاج المسلمين إلى مكة. مؤكدا أن إدارة المتحف تفاوضه لاقتناء عمله (المغناطيسية) ليكون أحد الأعمال المشاركة في المعرض الذي سيقام في عام 2012م.

وقال في حوار لـ "الوطن" إن مؤسسة (إيدج أوف أريبيا) المتخصصة في الفن المعاصر الذي يعد أحد مؤسسيها في العاصمة البريطانية، ستتبنى مسابقة للفنون مخصصة لمراحل التعليم الأولية في المملكة تستهدف إلهام أجيال جديدة في الحركة الفنية المحلية، بعد حصولها هذا العام على مقر رسمي في مدينة جدة.

وأجاب ماطر، الذي يعد الآن أحد أبرز رواد الفن المعاصر في منطقة الشرق الأوسط، على أسئلة تتعلق بمسيرته الفنية ونقطة تحوله إلى الاحتراف الفني بعد تدشين كتابه الأول الذي يتناول تجربته على الصعيدين الفني والحياتي في حفل خاص أمس بصالة فينيل فاكتوري غاليري في منطقة سوهو بقلب مدينة لندن إلى جانب تدشين معرضه الشخصي الأول في المملكة المتحدة بالتزامن مع معرض فريز للفنون العالمية.

وهذا نص الحوار:

ما سر اختيارك لصورة البقرة الصفراء لتكون غلاف الكتاب الأول لسيرتك الفنية؟

حصل نقاش بين فريق العمل في دار النشر في لندن. وجلسنا طويلا لاختيار الغلاف بعد انتهاء الكتاب. كنت أفضّل أن يتم اختيار عمل (المغناطيسية والكعبة)، غير أن الفريق أصر على اختيار (البقرة الصفراء) بعدما قرؤوا عن قصتها وفكرتها في القرآن الكريم وكتب التفاسير. كان رأيهم أنها تحمل الكثير من الهوية، وأنها في نفس الوقت مهمة وملهمة في طرحها. في حقيقة الناشر كان يركز على المتلقي الغربي وبالذات في أمريكا وفي كندا، وتمسك برأيه في اختيار هذا الغلاف لأسباب تسويقية.

في المقابل كنت حريصا أن يكون الكتاب معربا، لا أنكر أننا واجهنا صعوبة بالغة في تعريب النصوص، والبحث عن طريقة تمكننا من تقديم الكتاب باللغة الإنجليزية إلى جانب تعريب ممتع عند القراءة.

بالعودة إلى مشروع "المغناطيسية"، هل لك أن تلقي مزيدا من الضوء على فكرة هذا العمل؟

سأكشف سرا صغيرا. إدارة المتحف البريطاني تتواصل معي هذه الأيام للتفاوض على شراء واقتناء عملي الجديد "المغناطيسية"، بعد أن عرضته لأول مرة في بينالي فينيسيا نوفمبر عام 2009، حيث طلب المتحف البريطاني يومها حق احتكار عرض المشروع، وعدم عرضه في أي معرض آخر حتى عام 2012. حيث ينوي المتحف إقامة معرض عالمي عن "الحج" وتاريخه، وطرقه التي كان يسلكها المسلمون في طريقهم إلى مكة موثق بالخرائط والصور الوثائقية.

وحسب معلوماتي أن إدارة المتحف ستعلن عن تاريخ بدء المعرض لأول مرة في معرض فرانكفورت الدولي في نوفمبر المقبل . وربما سيكون مشروع "المغناطيسية" وهو ثالث عمل لي يقتنيه المتحف البريطاني بعد اقتناء أول أعمالي في عام 2006، والآخر في عام 2008، العمل الفني المعاصر الوحيد المشارك في المعرض.

ويعكس عمل "المغناطيسية" فكرة الحج وانجذاب المسلمين من كل فج عميق إلى مركز نقطة واحدة هي الكعبة. وهو عمل تركيبي مجسم ومزود بالصور الفوتوجرافية أيضا، لقطعة مغناطيس في المنتصف، وحولها في موجات دائرية برادة حديد، تحركها من تحتها قطعة مغناطيس أخرى حتى تعطي حركة جذب وتنافر بسيط لبرادة الحديد في مركز العمل، وكأن الحجاج في حالة صلاة وعبادة حول الكعبة باعتبارها مركز الكون.

الدين والفن

المتابع لأعمالك يلاحظ ميلها للحداثة. لكنك في المقابل تكرس دوما حضور الدين في معظم تفاصيلها الفنية. ما هو الدين في نظر أحمد ماطر؟.

المشهد الديني واضح في حياتنا اليومية. نقطع أعمالنا للصلاة خمس مرات في اليوم لنعود إلى العمل. الدين أصيل في حياتنا، لذلك يجب أن يظهر في أعمالنا الفنية باعتباره الشريان الحي.

كل عمل فني يجب أن يحمل حياتي الحقيقية والبسيطة. هذه هي هويتي التي أستطيع أن أشتغل عليها، وأكون صادقا فيها أكثر من كوني أحمل قضية ليست قضيتي، أو فكرا ليس من فكري.

لعبت مؤسسة (إيدج أوف آريبيا) دورا في تقديمك للعالم الخارجي. متى بدأت علاقتك بها وكيف أصبحت عضوا مؤسسا فيها؟

البداية كانت على يدي ستيفن ستابلتون مع ثلاثة فنانين بريطانيين يحملون هما ثقافيا، دار بينهم جدل كبير في عام 2002 حول الحياة في الشرق الأوسط، والحرب على العراق آنذاك. وبعد أن وصلوا إلى قناعة موحدة أن وسائل الإعلام الغربية تقدم وجهة نظر خاطئة عن المنطقة، ولأهداف تسويقية حسب قناعتهم، نفذوا مشروعا مشتركا بعنوان (أوف سكرين). وزاروا عدة دول بالمنطقة للتعرف على حقيقة ما يدور خارج الشاشة، سافروا إلى لبنان والعراق وإيران وسلطنة عمان، ثم اليمن ومنها حاولوا الدخول إلى السعودية غير أنهم لم يتمكنوا من ذلك.

في عام 2003 استلمنا في بريد (مجموعة شتا) رسالة إلكترونية من ستابلتون بعد أن تعرفنا على مجموعة (أوف سكرين) بالصدفة البحتة من خلال البحث في الإنترنت.طلب في رسالته مساعدته في الدخول للسعودية عن طريق الحدود اليمنية. وبالفعل تحدثنا إلى الأمير بندر بن خالد الفيصل، الذي لم يتوان عن تقديم المساعدة، لتسهيل وصوله للسعودية. وبالفعل حضر إلى قرية المفتاحة ومكث معنا فترة طويلة، وظل يناقشنا عن عملنا والفنون التي نمارسها، وما هي ثقافتنا ورأينا حول ما يشاع في الإعلام الغربي، وكنا نجيبه على جميع أسئلته. في النهاية تمكنا من تغيير تجربة وفكرة المشروع، وغيرنا اسمه إلى (إيدج أوف أريبيا) والتي تعني خلاصة حقيقة العربية، وأصبحنا أعضاء مؤسسين فيها.

وبدأنا بتقديم مشروعا حقيقيا ومغايرا، يبين ثقافة الفن الحقيقي في منطقة الشرق الأوسط، وبدأنا من السعودية بحكم أنها قلب العالم الإسلامي، واستمر العمل في هذا المشروع بين عام 2003 إلى عام 2008 حيث أقمنا أول معرض فني في لندن، بعد أن تمكنا من الحصول على تمويل ودعم كبير جدا في السعودية، تلاه عدة معارض في الرياض ودبي وبرلين وإسطنبول وأبو ظبي، كما تم توفير مقر للمؤسسة في لندن بعد حصولها على منحة من الحكومة البريطانية.

• هل سيكون لها مقر في السعودية، وما هو الدور الذي ستلعبه في الحركة الفنية المحلية؟

نعمل الآن على تجهيز مقر للمؤسسة في جدة، بعد حصولنا على دعم من مجموعة عبد اللطيف جميل للفنون الإسلامية التي وفرت مقرا للمؤسسة نأمل أن يفتتح نهاية العام الجاري. والمؤسسة ستركز عملها في تخصصها الفن المعاصر، وهناك مشروع يعد حاليا له علاقة بالتعليم في المراحل الأولية بالمملكة، حيث ستتبنى (إيدج أوف أريبيا) مسابقة للفنون مخصصة للمراحل العمرية الصغيرة، تعتمد على تقديم نظرة مختلفة للتعليم، ولا تكتفي بإيصال صورة الفن فقط، بل تستهدف في مشروعها إلهام أجيال جديدة في الفنون، وهو هدف رئيس وسام للمشروع.

ما هو مصير مجموعة شتا، التي بدأت تجربتك الفنية معها في منطقة عسير؟

ما زالت قائمة وساعدتنا جميعا، وهي تعمل وفق عنوانها الذي يعني أنها "اجتماع مبني على التفرق". وهي مكونة من مجموعة فنانين لديهم رؤى وأفكار فنية جديدة. كنا محتاجين للعمل معا، للنقاش والعصف الذهني، كل عضو له مشروع مختلف ومستقل عن الآخر، كي ندعم بعضنا البعض للوصول إلى الجمهور بشكل أقوى.

في البداية كانت لدينا مشكلة في تسويق أفكارنا، ولم نكن خبراء في هذه الناحية. الآن أفكارنا وتجاربنا نضجت، كما أننا جميعا منخرطون في مؤسسة (إيدج أوف أريبيا) .

نقطة التحول

• هل ترى أنك كنت الأوفر حظا من بين زملائك الأربعة في مجموعة شتا؟

لا أدري إذا ما كنت الأوفر حظا أم لا، لكن نقطة التغيير في مساري الفني حدثت خلال حصولي على منحة دراسية من وزارة الخارجية الأمريكية عام 2007 لحضور برنامج (تدريب القادة الدوليين) ولمدة 4 أشهر في أمريكا. وهو برنامج مهم جدا لكل إنسان يحمل قضية أو فكرة سواء علمية أو ثقافية أو فنية، أن يقودها ويقدمها للعالم بشكل يستطيع تلقيها وهذه هي فكرة البرنامج.

لقد استفدت للغاية من هذه الدورة، وتعلمت فيها كيفية بناء مؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب التدرب على فنون التسويق وقنوات التسويق التي يتبعها، وكيف تنظم مشروعك، وهي نقاط مهمة في مسيرة كل فنان. كما لاحظت فيها اختلافنا عن الفنانين في بريطانيا وأمريكا، فهناك الفنان لديه خطة إستراتيجية لخمس سنوات مقبلة، يحدد فيها ماذا سيعمل، وكيف سيعمل، وأين سيعرض أعماله، وكيفية اختيار طرق التسويق المناسبة له. هذا كله أصبح الآن علما وليس عملا أو هواية فقط. بعد هذا البرنامج تعلمت كيف أخطط وأعمل على مشاريعي بطريقة احترافية.

هل يعني ذلك أن عملك كطبيب بات يؤثر على مسيرتك كفنان. متى تنوي التفرغ للفن، أين تجد الوقت الكافي لممارسة الفن وأنت تمارس يوميا الطب؟

أتفق مع هذا الطرح. نعم، أعاني من هذه المشكلة، خصوصا في بدايتي الفنية. كما أن الفنان الذي يحمل رؤية أكثر من مجرد كونه يحمل مهارة يدوية، تكون مشكلته مزدوجة. في المملكة لا توجد وظيفة مستقلة ورسمية تحت مسمى فنان. الآن، وبعد أن بدأت أعمالي تباع في المزادات العالمية، بدأت تجربتي الفنية تأخذ منحنى أكثر فأكثر نحو الاستقلالية. ربما يأتي اليوم الذي أتفرغ فيه للفن، وأن أمارس تخصصي الطبي من باب العمل الخيري تجاه مجتمعي ووطني.

من خلال تعدد وسائل وأدوات التعبير في أعمالك، وابتكار أدوات جديدة توظفها في أعمالك، ما هي الرسالة التي تريد نقلها من كل ذلك؟

الرسالة التي أركز عليها هي أن الفن لا يجب أن يكون حبيس الأدوات التقليدية. ليس ضروريا على فنان زيتي أن يشتغل على الأدوات الزيتية فقط. لا، يجب أن نتجاوز هذه الفكرة التقنية ونتجه إلى الفكرة الثقافية. الحياة تطورت ووفرت أدوات تعبير عصرية، وهذه الأدوات هي لك كفنان أو كمثقف وبإمكانك استخدامها لترسل عبرها رسالتك وليس هناك من قانون يمنعك من ذلك في الأصل. المؤكد أن المتلقي يروقه دوما استقبال الرسائل المبدعة، إنها تلهمه ويقرأ عبرها أن الفنان يرسل له رسالة أكثر جدية. وهذا ما اعتبرته أساسا لعملي طوال مرحلة اشتغالي في الفن.

عيون العالم

برأيك كيف يستطيع الفن المعاصر، أن يبرز وينمو في مجتمع محافظ كالسعودية؟

ما زالت الحركة الفنية المعاصرة في السعودية في طور النشأة والتشكل. هناك جيل جديد متجه للفن المعاصر، كما أن كثيرا من فناني الحركة الكلاسيكية باتوا يتجهون للفن المعاصر، كما ظهرت مجلات متخصصة أيضا تتابع هذه الحركة. أعتقد أن الحوار مع الفن المعاصر صار مطروحا بشكل كبير محليا.

الأمر المفرح هنا هو أن عيون أسواق العالم الفني المعاصر باتت مفتوحة باتجاه دول الخليج والسعودية بشكل خاص. فمن الملاحظ أن معظم المقتنين من ألمانيا وهولندا وبريطانيا وأمريكا مؤخرا وكثير من دول العالم يسألون عن طرق الوصول للفن السعودي المعاصر، لشراء أعمال منها وعرضها في متاحفهم.

أعتقد أنه خلال السنوات العشر القادمة، إذا تم التعامل مع الفن السعودي بشكل جيد سيكون هو مركز الحركة الفنية العالمية القادمة، وسيحل بدلا عن الفن الصيني الذي بات البصمة العالمية للفن المعاصر خلال العشرين سنة الماضية. الآن الفرصة الذهبية مهيأة أمام الفن السعودي بالذات، كون السعودية هي قلب العالم الإسلامي.




فيلسوف اللغة البصرية

كأنه فيلسوف ابتلع لسانه، وقرر أن يشطب قاموسه اللغوي، ليخترع طريقة خاصة في التعبير تسقط هيمنة الأداة على فكرة الفنان ورسالته. استخدم كل مواهبه في الخط والرسم والتصوير والتجهيز في الفراغ ليخرط من بين عجرها وبجرها، منظومة لغة جديدة تختصر الزمان والمكان للتواصل مع العالم الآخر.

بعد نحو عشرين عاما من المحاولة والتجريب، والتأرجح بين معادلات الصح والخطأ، نجح أحمد ماطر آل زايد العسيري في اجتراح لغة بصرية فريدة، غنية ومحركة لشهوة السؤال، تجبر قارئها على الانغماس في موجات من التفكير العميق، لفهم المغزى وسر المعنى المكنون خلف أعماله الفنية.

رأس بقرة صفراء، أو صور أشعة سينية، أو هوائي لاقط لبث المحطات التلفزيونية، أو حتى مضخة وقود، كلها رموز لأدوات استودعها فكرة فلسفية، تثير الأسئلة أكثر مما تهتم بالإجابة. لم يكن يوما حاطب ليل. كان يعرف دوما كيف يستغل مواهبه المتعددة للتعبير عن شيء ما يؤمن به، ويدعو الآخرين لمشاركته إيمانه.

أحمد ماطر، المولود في عام 1979م هو (سر أمه) وحامل شعلتها الفنية، لا يتردد في الاعتراف بأنها "أكثر الشخصيات تأثيرا في حياتي". وما زال حتى اليوم، في محترفه الفني، يحاكي أسلوب أمه الجاد في العمل. "كانت تنسى العالم كله أمام لوحتها"، وكان أكثر ما يثير فضوله وهو يراقبها "سر تدثرها الدائم بلباس الصمت المقدس".

كانت أم أحمد، تحب الناس بقدر حبها فن النقش (القط) العسيري الخالص. ولم تك تتردد قط، في علاج كآبة بيوت القرية الحجرية، بفصد عروق حيطانها الشاحبة ببياض الجير، وتضميدها بألوان تسرقها من زرقة السماء، وخضرة الحقول، وحمرة الطين، وصفرة خد الشمس، بريشة مصنوعة من شعر ذيل الماعز، لتحيلها إلى لوحات جدارية مشبعة بألوان تنفخ روح السكينة وأنفاس الحياة في صلادة الحجر.

تمسك ماطر بتلابيب الشخصية العسيرية في أعمق تجلياتها، حتى وهو يعرض أعماله في أشهر متاحف ومعارض العالم. كان يبدو في كل معارضه (ابن عسير) ذلك الطفل الصغير الذي يضع عقدا مجدولا بالزهر والنباتات العطرية فوق مفرق شعره الجاعد، ليهش بيدين عاريتين قوافل الغيوم الركامية من فوق جبال رجال ألمع، ليغزل من مساقط أشعة الشمس حزمة ضوء على أفكاره الفنية المجنونة.

في المرحلة المتوسطة، كان يحرص على حضور الحصة الفنية، حبا في معلم المادة. كان أستاذه أحمد العسيري، وهو الآن فنان تشكيلي بارز في منطقة عسير، يلاحظ يوما بعد آخر، مراحل نمو فنان واعد ينبت من بين أصابعه العشرة. قال لتلميذه بنصح أب حادب: "الفنان هو من يطوع كل شيء للتعبير عن فنه ". يقول أحمد "لم أنس يوما نصيحة أستاذي!".

بعد تخرجه في كلية الطب في جامعة الملك خالد، اختار أحمد أن يكون طبيبا حتى يساعد الناس بحب ظاهر، على طريقة والدته. وصفته مجلة (براون بوك) البريطانية بأنه " طبيب مغمور صباحا وفنان مشهور مساء". وما زال حتى الآن يرتدي معطفه الأبيض كطبيب عام في مستشفى عسير في أبها. يقول " أنوي التخصص في طب الأسرة والمجتمع". ويبرر سبب اختياره كونه " يتعامل بشكل أكبر مع المريض وليس مع المرض". يضيف: " في المستشفى ننادي المريض باسمه، وليس باسم مرضه!".

يؤمن أحمد ماطر أن تجربته الفنية المتنوعة تحمل رؤاه الثقافية والفكرية تجاه قضاياه اليومية المعاشة. مشددا على ضرورة ألا يكون الفنان يوما حبيسا لأدواته، وأن عليه دوما أن يخترع أداة جديدة تلائم فكرة مشروعه الفني، وتقديمه بشكل يحمل هويته، وتمكن العالم من قبولها والتعايش معها.

أعماله الفنية شاهدة على صدق إيمانه. فهي تبدو دوما مشرعة كأبواب مفتوحة على سرديات وجماليات الثقافة العربية والإسلامية بلغة وأدوات عصرية. وهي تفترض في المقابل عقولا منفتحة للدخول إلى عوالمها. يقول: "تسكنني فكرة الحوار مع الآخر، أكثر من أي شيء آخر". يعشق نظام ورش العمل، بما فيها من عصف فكري يولد شرارة الإبداع والابتكار. إذا لم يجد نفسه (عودا في حزمة) فإنه لا يتردد في تكوين مجموعة تشاركه نفس الاهتمامات والرؤى الفكرية المتطابقة. في النهاية وجد نفسه أمام قرار الزواج من الفنانة التشكيلية أروى النعمي، ليضمن لنفسه حياة تقوم على جدل ونقاش فني مستمر.

نادرا ما يشاهد أحمد من دون كاميراته الفوتوجرافية. مهووس حد الجنون بفن حبس الضوء، لكن ما لا يعرفه الكثير، أن السينما وأسرار الفن السابع هي أقرب الفنون إلى قلبه، وأكثرها تملكا لوقته واهتمامه. كما أن له ذائقة موسيقية خاصة، ويحمل مشروعا رائدا في حفظ، وتوثيق الموسيقى الفولكلورية في منطقة عسير، وعندما يتم إنجازه سيثير جدلا معتادا يصاحب كل أعماله.

وبالرغم من أن الفنان يعيش في منطقة تتميز بمناخ مشبع بالمحافظة والتقليدية، وصراع الأقفال والمفاتيح، إلا أنه خط لنفسه فضاء يتمدد باتجاه الحداثة والمعاصرة، وبأسلوب يحافظ على الأصالة وأدبياتها. رسالته دائما واضحة "الفن للتعبير، وليس للانغلاق".