كان محمد صالح الناصري (25 عاما) يجلس في الكراسي الخلفية في ثانوية الغزنوي ببريدة رغم عدم قدرته على السمع من أذنه اليسرى. حاول الانتقال إلى الأمامية، لكن دون جدوى، فالكراسي في مدارسنا كمواقف السيارات تذهب لمن يأتي أولاً، ومن يأتي أولا سيحتكرها إلى نهاية المرحلة الدراسية، بغض النظر عن احتياجات الطلبة الآخرين، إلا من رحم الله.

بعد عدة مفاوضات خجولة مع زملائه وإدارة المدرسة رضخ محمد للواقع واستمر في الخلف، يكافح من أجل أن يسمع ويتابع شرح المعلمين. تخرج أحمد من الثانوية العامة بمشقة، وانتقل للكلية التقنية وانتقلت معه نفس مشاكله والصعوبات التي تواجهه.

بعد انطلاق برنامج الابتعاث بادر محمد بالتسجيل فيه، وحصل على بعثة لمتابعة دراسة البكالوريوس في الولايات المتحدة الأمريكية في تخصص نظم المعلومات. تم قبوله وانتقل للدراسة في كانساس، التي تقع في الغرب الأوسط لأمريكا. وفور وصوله فوجئ باتصال من مشرف في مكتب ذوي الاحتياجات الخاصة في جامعة كانساس يطلب مقابلته. أخبره المشرف أنه تلقى رسالة من قسم القبول بالجامعة تشير إلى أن لديه صعوبات في السمع حسب استمارة التسجيل، وسيسره أن يبحث معه سبل مساعدته في لقاء قصير. ذهب محمد ووجد المشرف في انتظاره أمام باب مكتبه راسماً على وجهه ابتسامة هائلة. دعاه للجلوس. ثم قال له بعد أن قدم له كوب القهوة: "شكرا على تلبيتك الدعوة، قرأت عن ظروفك الصحية بدقة، سنقوم بإشعار كل المحاضرين الذين سجلت معهم هذا الفصل لاستخدام مايكروفونات خاصة. وسنوفر لك سماعات مع كل محاضرة، ستجعلك تستمع إلى الشرح دون عناء. أيضاً نسقنا مع طلبة متطوعين للقيام بتسجيل المحاضرات لك كتابةً، أتمنى لك التوفيق، وإذا لديك أي تساؤل أو ملاحظات بوسعك أن تراسلني عن طريق الإيميل أو عبر الجوال المتوفر في بطاقتي". لم يصدق الناصري ما سمعه! توقع أن فيه نوعاً من المبالغة، لكنه فوجئ في أول محاضرة له بأستاذ المادة ينادي على اسمه وسط نحو 200 طالب، هبط محمد من مدرج القاعة ورحب به أستاذ المادة بحرارة، وأخبره أن سماعته ستكون متوفرة في كل محاضرة خلف الشاشة التي أشار بأصبعه نحوها. وطلب منه المحاضر ألا يتردد في إشعاره عندما يكون الصوت ضعيفاً أو في حالة وجود أي مشكلة تقنية. هذا الحوار تكرر مع كل المحاضرين، الذين سجل معهم محمد، ترافقه ابتسامة لا تنضب، ولا يكاد يمر يوم أو يومان دون أن يجد محمد رسالة من جهة ما في الجامعة تستفسر عن جودة الخدمات المقدمة له أو المشاكل التي يواجهها.

هذا الاهتمام انعكس على تحصيله الدراسي ومعنوياته. نتائجه ساعدته في الحصول على وظيفة في قسم تقنية المعلومات بالجامعة بدوام جزئي، طبيعة عمله تتطلب الإشراف مع زملائه على شبكة الجامعة الإلكترونية والتأكد من أنها تعمل بكفاءة عالية وحمايتها من الاختراقات الأمنية والانهيارات. من يستمع أو يلتقي محمد الآن يشعر أنه يملك الدنيا وما عليها، هذه الطاقة الإيجابية التي يحملها بوسعها أن تحطم أي جدار أمامه.

إن محمد لم يحصل على أشياء كبيرة، إنها أشياء صغيرة جداً. ابتسامات وزعها عليه (الكانساسيون) واهتمامٌ وجده من مسؤولي الجامعة. هذه الأشياء الصغيرة جعلت محمداً شخصا آخر، طالبٌ متفوق وإنسان فعال، يدرس ويعمل ويبتسم.

تخيلوا لو أن جل طلابنا الذين يعانون من تحديات ما صغر منها وما كبر حصلوا على نفس الاهتمام الذي حصل عليه الناصري؛ ماذا سيقدمون؟ إن العديد من العلماء على مر العصور كانوا يعانون من صعوبات في النطق والسمع والتواصل، لكن حولوا هذه التحديات إلى وقود للإنجازات مثل: ألبرت أينشتاين، وإسحاق نيوتن، وبنجامين فرانكلين بمساعدة مجتمعاتهم التي مهدت لهم سبل النجاح، وجعلتهم أعلاماً لا يغيبون أبداً عن حياتنا رغم رحيلهم منذ عقود.

لكن للأسف مجتمعاتنا تحولنا إلى حطام إثر غياب التشجيع والدعم. فبات من الصعب أن تجد مؤسسة تبادر وتدعم أبناءها، وإذا غاب حس التشجيع عن المؤسسات التعليمية فمن الطبيعي ألا يتوفر في بيئة العمل لاحقا، فما تعلمته ستحمله معك، وكلما بخلت الجامعات مع طلابها بخل طلابها مع الوطن.

الناصري عندما كان في بريدة كان منتهى طموحه أن يجلس في الأمام. كان يحسب أن هذا أقصى ما يستحقه. لكن عندما سافر إلى كانساس اكتشف أن ما يستحقه أكثر من ذلك.. أنبل من ذلك. إننا لا نطلب المستحيل. نطلب أشياء صغيرة.. صغيرة جداً. لا تكلف كثيراً، لكن بوسعها أن تجعلنا أكثر سعادة وإنتاجية وتفاؤلا. إننا ننفق الملايين في مشاريع لا نراها، فلم لا ننفق الابتسامات، فحتى الأعمى إن لم يرها سيحس بها؟