المُتهم ـ أي مُتهم ـ يظل بريئاً إلى أن تثبت إدانته، هذه قاعدة شرعية وقانونية مُعتمدة في كل دوائر التحقيق والقضاء في الدنيا كلها، وهي كذلك لدى الإعلام المهني الذي إما أنه يحترم مهنته ويلتزم بأخلاقياتها أو أنه على الأقل يخشى من القضاء الذي لن يرحمه، طبعا هذا يحدث ـ بالنسبة للإعلام ـ في العالم المتقدم، هناك حيث القانون الصارم والتطبيق الحازم، أما في إعلامنا العربي ـ حيث لا مهنية تُحترم، ولا قوانين موجودة تحكم التجاوزات، وإن وُجدت فلا تُطبق ـ فإن المُتهم يصبح مجرماً منذ لحظة القبض عليه، وقبل أن تُوجه إليه أي تُهمة، أما في فضاء النت العربي صُحفاً إلكترونية أو مواقع حوارية فلا يكفي أن يُوصف الُمتهم بالمجرم بل تجد اسمه وعنوانه وتاريخ حياته، وأسماء أسرته وربما صورته وصورهم وبعض أو كل أسرارهم، إنه يجري فضح الجميع: المُتهم وأهله وأقاربه وكل من يعرفهم أو يمت لهم بصلة، هذا فضلا عن الشتائم وصفات التحقير والسفاهات والأحكام التي تتراوح بين القتل والتشريد والسجن والجلد وحتى حرمان العائلة والأقارب من حق الحياة التي يُصدرها أهل الأسماء المُستعارة بحق المُتهم ـ الذي ما زال بريئاً في عرف الشرع والقانون ـ حيث لم يكتمل التحقيق معه، ولم يقل القضاء كلمته بشأنه، ولمن له اهتمام بهذا الشأن فإنه يستطيع أن يقارن بين ما يفعله سفهاء العرب على النت حيال المُتهم في أي قضية؛ وبين ما يحدث في المواقع والقضايا المماثلة على المواقع الغربية، وسيجد أن فارق الأخلاق والقوانين شاسع جداً لمصلحة الغرب ـ مع الأسف ـ ومثل ذلك الفرق سيجده في الإعلام التقليدي المقروء والمُشاهد والمسموع.
القضايا والمتهمون التي يمكن تقديمها كأمثلة أكثر من أن تُحصى، ولكن هنا مثال قريب ما زال حياً، المُتهم باغتصاب القاصرات في جدة، حتى الآن ما زال التحقيق معه مُستمراً، ولم تتم إحالة القضية والمُتهم إلى القضاء، بل إن القبض على المُتهم أفضى إلى الإفراج عن مُتّهم سابق في القضية ذاتها بقي في التوقيف على ذمة التحقيق نحو ستة أشهر، ومع كل هذا فأنت لا تقرأ في الصحف كلمة المُتهم وإنما أصبحت صفته هي (مُغتصب القاصرات) فهو لم يعد مُتهما كما تقول جهات التحقيق، بل أصبح عند الإعلاميين مُجرماً، أما في فضاء النت المفلوت أكثره، والمنفلت من كل عقال أخلاقي وعقل رشيد، فستقرأ ما يخطر وما لا يخطر على بالك من أسرار وشتائم وأحكام، لدرجة أن زوجة المُتهم تُفكر مضطرة ـ كما قالت لصحيفة الوطن منذ يومين ـ أن تختفي هي وأولادها من حياة الناس إلى أن تنتهي القضية، وأنا لا تعنيني هنا ثقتها في براءة زوجها، فحتى لو أُدانه القضاء، فإن الذي يهمني هو ما ذنبها وذنب أولادها يا مجتمعنا العربي المسلم، يا أيها المجتمع الذي يعرف جميع أفراده ويؤمنون ـ نظرياً ـ بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، أين القوانين والتشريعات التي تحمي عائلة هذا المُتهم ـ وأي مُتهم ـ وتحمي أسراره وأسرارهم وتصون كرامتهم، ولا تجعلهم يفكرون في التخفي أو الهرب أو الهجرة، أين يذهبون؟ ثم ماذا يفعل هذا المُتهم مع الإعلام والنت فيما لو برأه القضاء، من يعوضه عن سمعته، من يعيد إليه كرامته التي أُهدرت، وأسراره التي فُضحت، من يضمن أن يعود إنساناً سوياً غير حاقد ولا ناقم؟ من... الخ، ضع ما تستطيع من أسئلة!
الجريمة شنيعة لا شك وأي جريمة مهما صغرت فيكفي أنها جريمة، ولست ضد مبدأ النشر بل إنني أدعو إليه ولكن بضوابط أخلاقية ومهنية وقانونية، ومن لا يلتزم بها يجب عقابه عقاباً رادعاً، أما فضاءات وفوضى النت فأين لائحة النشر الإلكتروني وأين نظام جرائم المعلوماتية؟ إنني أقترح على لجنة رعاية السجناء وأسرهم بل وأطالبها بإلحاح أن تُنشئ فرعاً أو لجنة متخصصة لمتابعة ما يُنشر في الإعلام وفي النت حول المتهمين وأسرهم، ورفع القضايا الحقوقية المطلوبة متى ما تجاوز النشر حدود الأخلاق والمهنة والقانون، إذ لا بد من حماية هؤلاء الناس وعدم انتظارهم إلى أن يشتكوا، فبعضهم لا يعرف، وبعضهم لا يقدر، وبعضهم تُشغله المصيبة عن كل شؤونه وحقوقه الأخرى، وإنني تعزيزاً لهذا المطلب أضع الأمر كاملاً أمام رجل الأمن الأول سمو النائب الثاني وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز الذي يمكنه من خلال الأنظمة والتشريعات سواء الموجودة أو التي يمكن وضعها عن طريق مجلس الشورى وغيره، يمكنه أن يعلًم بل ويُلزم الجميع بمعرفة وفهم الفرق بين الحرية والانفلات، فالأمن كلٌ لا يتجزأ تحت أي ذريعة.