أحدث ما فجرته سلسلة قصص "زواج القاصرات" معاناة فتاة تزوجت وهي في الثامنة لتصبح أصغر أرملة في المملكة وعمرها لا يزيد عن اثني عشر عاما، إلى ثانية أنجبت وعمرها أربعة عشر عاما، بعد ولادة متعسرة لتصاب بفشل كلوي مزمن، هجرها على إثره زوجها، فعادت إلى منزل أسرتها تحمل طفلها، وهي تعاني من آثار مرض نفسي حاد، إلى ثالثة قضت نحبها وهي تضع مولودها بعدما انفجر رحمها، وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة، إضافة إلى رابعة يمنية لم تتجاوز 11 عاما اضطرتها ظروف أسرتها إلى الارتباط بثمانيني سعودي مليونير لا لشيء إلا لأنه قادر على بناء منزل للأسرة وشراء سيارة لأبيها وتوظيف أخيها.

تأتي هذه القصص التي تكشف "الوطن" تفاصيلها للمرة الأولى استكمالا لرصد هذه التجارب التي تتكرر في أماكن مختلفة، ومن فئات متباينة اجتماعياً وثقافياً.

يحدث ذلك في ظل ما يشبه عجز جمعية حقوق الإنسان عن القيام بدور مؤثر وفاعل، في ظل الشكاوى العديدة التي تقدمها سنويا أمهات يعارضن تزويج بناتهن إلى كبار في السن.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه وزارة العدل منذ أبريل 2009، تعكف على الإعداد لتنظيم جديد يقنن زواج القاصرات بالتزامن مع شروع لجنتين في مجلس الشورى خلال العام الماضي في دراسة اقتراح يقضي بمنع زواج القاصرات في المملكة قدمته لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية وحقوق الإنسان بالمجلس.

وفي الدمام، كشفت مصادر في محاكم المنطقة الشرقية لـ"الوطن" وجود 40 حالة زواج قاصرات رفض اتمامها عاقدو الأنكحة بتوجيهات شفوية من رئيس المحاكم.




تطل برأسها بين فترة وأخرى، قصة من هنا أو هناك، عن ظاهرة زواج القاصرات التي لا تزال تشغل الساحة الإعلامية والحقوقية والإنسانية في أكثر من مكان. وهي الظاهرة التي تبرز في مجتمعنا السعودي بشكل لافت أكثر من غيره؛ وذلك لأسباب عديدة ومتنوعة من أبرزها غياب التشريعات القانونية الضابطة لهذه المسألة، وغياب الرأي الفقهي الصريح والواضح الذي يحد من آثار هذه الزيجات الاجتماعية والطبية والاقتصادية. فضلا عن عوامل أخرى عديدة من أبرزها الفقر والجهل أو وجود عدد كبير من الفتيات في أسرة واحدة بلا معيل، ومحاولة الأم أو الأب المسن والطاعن في العمر أن يزوج بناته بسرعة وقبل أن تنضج الفتاة أو تنهي تعليمها الجامعي أو حتى الثانوي.

هذه الظاهرة تبرز هنا في مجتمعنا السعودي، وقد سجلت خلال السنوات الأخيرة سجالا إعلاميا لا يخفى على العين، وقد رصد المراقبون والمتابعون والمهتمون في جمعيات حقوق الإنسان الكثير من المآسي المتعلقة بهذه الظاهرة، من شاكلة ترمل بعض المتزوجات القاصرات وهن لا يزلن تحت سن الثامنة عشرة، وبعضهن يكن قد رزقن بمولود أو أكثر وهن لا يزلن قاصرات، وفي ذات الوقت تكون الفتاة غير قادرة على أداء دورها كأم ومربية وحاضنة إلى جانب افتقارها للقدرة المادية التي تؤهلها للصرف على المولود الجديد، مما يجعل مولودها يصبح رقما جديدا في دار التربية الاجتماعية، أو عالة يقتات على صدقات المحسنين.

ونظرا للآثار السلبية العديدة التي تمثلها هذه الظاهرة الاجتماعية في المجتمع السعودي تحاول "الوطن" من خلال هذا الملف الشامل تسليط الضوء على هذه القضية، وتحديد العوامل التي تقف خلفها وكيفية مواجهتها والتصدي لها في ظل تعالي الأصوات الحقوقية والإنسانية والإعلامية التي تطالب بضرورة التصدي لهذا الفعل الذي يمتهن حقوق الطفولة، ويمثل تجاوزا على معاني وقيم الشرع الحكيم، واستغلالا بشعا لحاجة وفقر بعض الأسر.

يمكن القول إن قضية "طفلة بريدة" السعودية التي نشرت "الوطن" تفاصيل زواجها مطلع العام الجاري من مسن ثمانيني وهي في عمر الثانية عشرة، لا تزال الأبرز على الساحة السعودية والأكثر ألما فيما يختص بظاهرة زواج القاصرات، لا سيما أنها على الرغم من كل ما أحدثته من حراك اجتماعي وتدخلات لشخصيات رفيعة ومتابعة من قبل الجهات الرسمية إلا أن نهايتها جاءت محزنة، حيث أعلنت الطفلة موافقتها على إتمام الزواج برا بوالدها لتسحب والدتها الدعوى المقامة من المحكمة، ولينتقل بها زوجها إلى خيمة في الصحراء كعش للزواج الجديد، بعد أن كانت قد صرخت بأعلى صوتها تطالب بإنقاذها من هذه الزيجة.

يجد المتابع للساحة المحلية هنا في المملكة أن هذا السيناريو يتكرر بين وقت وآخر، وأن أسباب المشكلة لا تزال قائمة. ففي منطقة نجران، كشفت "الوطن" خلال الأسبوعين الماضيين عن عدة قصص محزنة ومؤلمة لفتيات قصر تم تزويجهن من رجال يكبرونهن في السن بثلاثة أو أربعة أو خمسة عقود. كان آخرها قصة زواج مأذون أنكحة من فتاة في الثانية عشرة من العمر، اشترط أبوها على زوجها ألا يدخل بها إلا بعد عام ليجد نفسه بعد شهرين ونصف الشهر، وتحت إلحاح مستمر من والدته مضطرا إلى الدخول بها. وفي اليوم التالي من نشر هذه القصة، كشف مأذون أنكحة في ذات المنطقة لـ"الوطن" عن أن مسألة عمر الفتاة ليست ذات أهمية بالنسبة للتعليمات الصادرة عن وزارة العدل، والتي يتوجب على مأذوني الأنكحة الالتزام بها. مشيرا إلى أن مسائل من شاكلة الوظيفة والشهود والمهر هي أهم ما يجب التدقيق عليه عند إتمام عقد النكاح.

ويظهر هنا بشكل واضح أن غياب التشريعات القانونية الناظمة لهذه النوعية من الزيجات لا يزال هو الحلقة الأهم الغائبة، والتي لو تم التعاطي معها قانونيا من خلال نص قانوني موثق لتم القضاء على هذه الظاهرة والحد من آثارها السلبية بشكل كبير.

وفي الرياض، لا تزال الناشطة الحقوقية، عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة النبوية فوزية بنت منيع الخليوي تنتظر للشهر التاسع على التوالي أي تفاعل من مجلس الشورى عقب البحث الذي رفعته لهم بخصوص منع تزويج القاصرات قبل سن البلوغ.

وقالت الخليوي في تصريح إلى "لوطن": إن هذه الظاهرة تحتاج وقفة مجتمعية نظرا للأخطار النفسية والاجتماعية التي تخلفها. وساقت الخليوي في بحثها الأدلة من القرآن والسنة والتي ترد من خلالها على المؤيدين والمتذرعين بزواج الرسول ـ صلوات الله عليه ـ بالسيدة عائشة بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ وجاء في البحث المرفوع للجان المختصة في الشورى "إنه لم ينزل الله الشريعة إلا لتحقيق المصالح ودرء المفاسد؛ وما يحدث مؤخرا من توسع في تزويج الصغيرات في السعودية اللواتي بدأت أخبار تزويجهن تتزايد في الصحف يعد إنذارا مبكرا لانتهاك الطفولة التي تعد من أصعب السلوكيات البشرية التي لا تتطلب رعاية الوالدين فحسب بل رعاية المجتمع بأكمله".


زواج بسبب الفقر

وفي نجران تقول أرملة يمنية تزوجت من مليونير سعودي وهي في الحادية عشرة من عمرها، في تصريحات خاصة إلى "الوطن": إن قصتها تعبر عن ظاهرة سفر السعوديين إلى الخارج للزواج بقاصرات، وهي أيضا مثال حي لتزويج القاصرات بهدف ابتزاز كبار السن.

تقول الزوجة: "كنت أبلغ من العمر (11 عاما) وأنا أعيش مع أهلي، عندما تقدم للزواج مني رجل أعمال يبلغ من العمر (80 عاما)، عرفناه بالـ"سعودي"، ولأنه دفع لأهلي مبلغا كبيرا من المال وبالريال السعودي تم الزواج وبسرعة، علما بأنه كان معروفا بتعدد زيجاته في قرى اليمن، وكل زوجة من زوجاته لا تتعدى 14 ربيعا، فقد "كان يجدد عمره بماله".

وتضيف: أنه بعد الزواج فوجئ زوجي المسن برفض أهلي خاصة والدتي لفكرة سفري معه إلى السعودية بحجة أنني طفلة!. لقد "زوجوني وأنا طفلة ثم رفضوا سفري لأنني طفلة!". فاختار الإبقاء علي في بيت أهلي على أن يزورني بين فترة وأخرى لأنه لا يستطيع التفريط بي كغنيمة. وهنا توالت الطلبات في كل مرة يحضر فيها إلى اليمن حيث كان يقضي أشهر طويلة بيننا وحوله سماسرة الزواج، وكنت أحرج من طلباتهم الكثيرة.

وأشارت إلى أن والدها كان يقول: "ابن لها عندنا في البيت كي تبقوا معنا هنا"، وتارة يطلب توظيف أخي لديه في منطقة نجران، أو أن يشتري سيارة كي تستطيع العائلة التنقل بها بدلا من التكسي. مضيفة: أنه ظل الحال على هذا المنوال لمدة عامين كاملين، والطلبات مستمرة من زوجي إلى أن انقلب حال أسرتي المادي ووصل منزلهم إلى الدور الثالث، وامتلكوا سيارتين هايلكس وصالون. مشيرة وهي تختزل ضحكة حزينة وبائسة إلى أن تضحية أهلها بها وتضحيتها هي جاءت بنتيجة، ولو من الناحية المادية؛ وإلى أنها اليوم أصبحت في آخر مرحلة من دراستها الجامعية، كما أن حال أهلها المادي أصبح فوق الريح". مضيفة: أن زوجها سبق له وأن اتهم شقيقها بسرقة مليون ريال من أعماله في نجران. كما أن والدتي تقول بكل فخر: "ابنتي ضحت بنفسها وعمرها الصغير لرجل مسن من أجلنا".

ترملت وعمري اثنا عشر عاما

وفي مكة، تروي (ع. ق) معاناتها من الزواج وهي قاصرة بالقول: "بدأت معاناتي قبل ولادتي حينما توفي والدي وأنا جنين في رحم أمي، واستمر مسلسل آلامي وجراحاتي بعد وفاة والدتي وعمري لم يتجاوز العامين لأنتقل للعيش في منزل شقيقي الأكبر حيث تربيت مع أبنائه حتى بلغت الثامنة من عمري، حينما أبلغني بأني سأنتقل للعيش بمنزل صديقه، حيث إنه سيشتري لي الكثير من الحلوى والألعاب، وفي كل عام سيشتري لي (فستان عيد أبيض) أشبه بفساتين العرائس، ولم أكن أعلم أنني أحد بنود صفقته التجارية، وأنني كنت أزف إلى صديقه ذي الـ(46 عاما) مقابل أن يتزوج هو بابنته العشرينية. وبالفعل أقمت بمنزل الزوجية حتى بلغت 12 خريفا لأصبح بعدها أرملة دون أن يدخل بي. وأضافت: "عدت من جديد للعيش بمنزل أخي وأقمت هناك عامين حيث تقدم لي عريس جديد، استبشرت به خيرا، وأن الحياة بدأت تبتسم لي، ولعل أزماتي ستنتهي بهذا الزواج. مضيفة بألم وعبرة تخنق صوتها: "لم يكن زوجي الثاني المأمل عليه توفير الحياة السعيدة والطمأنينة والسكن الروحي، فقد كان يبلغ من العمر (62 عاما) وأنا (14 عاما)، وحتى يتمم إجراءات الزواج حيث إني لا شهادة ميلاد لي استطاع فبركة إضافتي بهويته الوطنية كزوجة ثانية تبلغ من العمر (28 عاما). وبفضل من الله استطعت إكمال دراستي المتوسطة، وكان إنجازا بقريتنا التي تقع شمال مكة المكرمة.