خبر مهم وجميل، تسعد به جامعة أم القرى، إذ سيكون لها منصة علمية في إحدى أكبر دور النشر العالمية، فقد انتهى سعادة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الزوكي - الليبي الجنسية أستاذ طب الأطفال في كلية الطب بجامعة أم القرى - من مراحل التحريرالنهائية المختلفة لمشروع علمي كبير ضخم هو كتاب طب الأطفال السريري-الطبعة الثانية، عن دار سبرنجرالعالمية الناشرة لأكثر الكتب والمجلات الطبية والعلمية العالمية.
قد يكون هذا خبراً عادياً، ولكن حقيقة حين ينظر المنصف إلى حجم هذا العمل ومقدار الجهد الذي وضع فيه من قبل الأستاذ الزوكي، فإنه لا يملك إلا الإعجاب والامتنان الحقيقي لصاحب هذا العمل. ذكر لي الأستاذ الزوكي أن فكرة هذا العمل بدأت منذ خمسة عشر عاماً، حين فكر يوماً بعد أن عاد إلى بنغازي مدينته، بعد أن أنهى دراسته وتخصصه الدقيق في طب الأطفال من الولايات المتحدة الأمريكية، وقال لم لا أكتب كتاباً في طب الأطفال فيه إجابة لكل طبيب؟ وبدأ الحلم يتحقق وتابع العمل لأيام وليال حتى صدرت الطبعة الأولى للكتاب، ومن عام 2008 بدأ العمل على الطبعة الثانية، بمعدل خمس ساعات يومياً لثلاث سنوات متتالية، ولمن أراد الحساب أي أكثر من خمس آلاف ساعة عمل! يبلغ عدد صفحات الكتاب أكثر من 2700 صفحة، وعدد الفصول 400 فصل، شارك في تأليفه أكثر من 300 عالم وخبير من العلماء القياديين في طب الأطفال على مستوى العالم، معظمهم من الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن الجميل والرائع والمثلج للصدر أن 33 من هؤلاء من المملكة، وهي ثاني أكبر بلد من حيث عدد المؤلفين المشاركين في كتابة هذا الكتاب، حكى لي الأستاذ الزوكي أن أحد المؤلفين تأخر عليه في تقديم ما عليه إنجازه من كتابه، فقرر نظاماً أن يتجاوزه لتأخره، فإذا بهذا المؤلف يعتذر، ورئيس قسمه يعتذر، وعميد كليته يعتذر، لأن الجميع يريد ذكراً لجامعتهم في هذا الكتاب! وهذا المرجع يتوقع أن ينافس على المرتبة الأولى كأهم مرجع عالمي لجميع المشتغلين بطب الأطفال على مستوى العالم، وللتاريخ فإن هذه المرة الأولى تقريباً التي يكون رئيس التحرير لمرجع طبي رئيس على مستوى العالم من العلماء العرب ومن خارج الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.
هذا العمل فخر لجميع أطباء وأساتذة ومنسوبي كلية الطب بجامعة أم القرى، ولنضع الأمور في نصابها الصحيح ونحن نتفيأ ظلال هذا الإنجاز العلمي الكبير للأستاذ الزوكي، ولنقل بكل شجاعة ووضوح إن هذا نتاج عمل فردي صرف، والسؤال هو: هل وفرت الجامعة هيئة تحرير تساعد هذا العالم؟ هل سخرت الجامعة سكرتيراً خاصاً له ليدعمه في مراسلاته الكثيرة والتي بلغت كما ذكر لي سعادته أكثر من أربعة آلاف إيميل؟ أم أننا لا نحسن إلا قطف الثمار بعد أن تنضج، ولا نعرف شيئاً عن الزراعة؟
إن البحث والتأليف والإبداع هو ثقافة مؤسسية، تضع ضوابطها وترعاها إدارة الجامعة، وأول ما على صناع القرار أن يتخذوه هو تنمية وزرع الثقافة العلمية البحثية بكثير من القرارات، ابتداء من الطلاب وانتهاء بالأساتذة.
كتبت قبل فترة عن النكت الأكاديمية في البحث العلمي، وذكرت معاناة العلماء والباحثين مع مراكز البحوث وما بها من البيروقراطية الإدارية ومن الفساد الإداري وسوء تأهيل العاملين فيها، كنت قد قدمت من عدة سنوات خطة بحث في التعليم الطبي يهدف إلى تحديد وترتيب الكفايات العلمية والمهارية في الطب الباطني في المملكة العربية السعودية لمرحلة ما قبل التخرج، لم أحصل إلا على الدعم الأولي للبحث، ثم فشلت في الحصول على بقية المخصصات لأني أوراقي (ضاعت) بعد أن قدمتها مرتين! ويريد الله ويمن عليَ بأن ينشر هذا العمل على موقع جمعية كليات الطب الأمريكية
(MedEdPORTAL)
الموثق والمحكم علمياً، بل ويحصل بفضل الله على درجة التميز، وتشيد به الجمعية ذاكرة اسمي واسم جامعة أم القرى في إحدى نشراتها الدورية لجميع متابعيها وأغلبهم من جامعات أميركا الشمالية، وبعد السؤال والتحري قالوا لي إن ما تنشره هذه الجمعية -التي تنظم العملية التعليمية في جميع كليات الطب الأميركية - من مشاريع تعليمية أو بحوث علمية لا تعترف بها جامعة أم القرى عند الترقية!
بل إن كثيراً من الجامعات العالمية تجاوزت موضوع الترقية اعتماداً فقط على الأبحاث التي يقدمها عضو هيئة التدريس (لا حظ أن مفهوم البحث العلمي عند كثيرين للأسف هوالبحث الذي تنال به الترقية لا ما تحل به معضلة أو تكتشف به جديداً أو حتى تستثمر به!)، فجعلت هناك ثلاثة محاور تستوعب أي جهد يقوم به الأستاذ الطبيب، محور الترقية عن طريق العمل الإكلينيكي، والمحور الآخر عن طريق التدريب والتعليم، والأخير عن طريق البحث العلمي، وأكثر من ذلك فقد وضع الخيار للأستاذ لأن يختار نسبة معينة من كل محور- حسب لوائح واضحة - إن كان يجمع بين أكثر من واحد منها.
وعلى الطرف الآخر أنعى حال بعض أعضاء هيئة التدريس الذين لا ينظرون إلى الجامعة إلا نظرة احتقار، فلا انتماء ولا ولاء، لا يعتدون بشيء إلا بدخول راتب آخر الشهر، وإذا أدوا-إن أدوا- ما عليهم من واجبات أكاديمية فبكل تكلف، وبدون رغبة وروح، ولا تسأل عن دورهم في تطوير أي أمر تربوي أكاديمي، فلا تعرف كلياتهم غير ظلالهم، ولا تسمع أصواتهم إلا عند المطالبة بالبدلات!
كثير ما يمكن أن يقال في التعليم العالي في بلدنا، وكثير ما يمكن أن يكتب عنه لا حباً في النقد والتشفي ولكن رغبة حقيقية في النهوض بأمر العلم والعلماء في بلادنا. كنت ولا زلت أفخر بانتمائي إلى جامعة ارتبط اسمها ومكانها بأحب البقاع إلى الله، والحق أني أرى وألمس سعياً حثيثاً للتطوير والإبداع، ليس في جامعة أم القرى وحسب بل في جميع جامعاتنا العزيزة، ولا بأس إن تأخرت المسيرة أو انحرفت قليلاً، إذ المهم أن نسير وأن نتحرك!
أشكر الأستاذ الدكتور الزوكي الذي أظنه بإنجازه هذا سيحرك الراكد حول ما يمكن أن يعمله فرد واحد لجامعته! وأظنه أعطانا درساً قرره المؤرخون أن الحضارة هي مجموع المنجزات التي يحققها أبناء المجتمع من أجل تحسين ما حولهم، وأن الحضارة ليست من صنع فرد واحد، ولا جيل واحد بل ولا حتى عدد قليل من الأجيال، بل إنما هي نتاج أجيال كثيرة متعاقبة ساهمت عبر مدة زمنية طويلة في صنع هذه الحضارة!