إن قضية عمل المرأة ليست قضية صراع بين الرجل والمرأة بقدر ما هي قضية حقوق إنسانية، وحق العمل يعني أمورا شتى من أبرزها شعور الإنسان بقيمته ومشاركته الإيجابية في المجتمع، والقيام بدور إنتاجي فعّال، وذلك هو السبيل إلى قيام مجتمع واع ومتقدم تنموياً.
كنت قد تحدثت في مقالة سابقة عن محدودية فرص عمل المرأة في المجتمع ومحدودية مشاركتها في الشأن الاقتصادي بالذات وما تواجه من تحديات وعقبات تحول دون ممارستها لهذا الحق.
كما تحدثت أيضاً عن ما تضمنته خطة التنمية التاسعة من أهداف وسياسات تؤكد على توسيع مشاركة عمل المرأة في المجال الاقتصادي للدولة، إلا أن هذه الأهداف تحتاج إلى متابعة وإشراف وتقييم لتحقيقها، من قبل جميع فئات المجتمع والجهات الحكومية والقطاع الخاص من شركات ومؤسسات، وقد ركزت في النهاية على أهمية دور ديوان المراقبة العامة في هذا المجال بصفته الجهاز الأعلى للرقابة في الدولة، ومن مسؤولياته متابعة وتقييم خطط التنمية للدولة.
فقد تضمنت خطط الديوان الاستراتيجية والمنشورة على موقعه في شبكة الإنترنت، على أنه تم إعداد الخطة بناءً على العديد من الأسس العلمية والمهنية منها خطة التنمية للدولة، كما تضمنت الخطة أيضاً حرص الديوان على أن تتوافق أهداف الخطة مع توجهات الدولة للإصلاح الشامل من خلال الإسهام في رفع كفاءة الأداء في الأجهزة الحكومية وتمكينها من تحقيق أهدافها لتلبية متطلبات التنمية، ومن ثم إعداد ورفع تقارير مهنية وموضوعية ذات مصداقية عالية للمقام السامي ومجلسي الوزراء والشورى.
هذا بالإضافة إلى أن من العناصر الرئيسية لرقابة الأداء هو عنصر (الفاعلية) والذي يتعلق بمدى تحقيق أهداف الجهة الخاضعة للرقابة، فإذا علمنا أن من أهداف التنمية كما رأينا هي توسيع مشاركة المرأة في العمل الاقتصادي وبالتالي فإن أكثر من جهة حكومية سوف تكون خططها الاستراتيجية والتشغيلية تحت هذا الإطار، وبناءً على ذلك فما هو دور الديوان الرقابي نحو تحقيق هذه الأهداف؟ وما هو دوره في توظيف المرأة في العمل الرقابي؟.
وللإجابة على هذه الأسئلة في البداية أطرح حالة عملية وواقعية للتحديات التي تواجه عمل المرأة على أرض الواقع كنموذج، سواء من خلال محدودية التوظيف أو من خلال عملها كموظفة، وربط ذلك من خلال خطة التنمية التاسعة للدولة ومن ثم استعراض دور الديوان في هذا المجال، مع طرح بعض الاقتراحات الممكن تطبيقها لحل الإشكاليات المصاحبة لعمل المرأة.
ولنأخذ على سبيل المثال خريجات كليات المحاسبة والمراجعة في المملكة، فقد أظهر استطلاع قامت به إحدى الصحف المحلية لآراء عدد من المحاسبات السعوديات، أن هناك إجماعا على أن ثقافة المجتمع تحد من طموحاتهن سواء في التقدم الوظيفي أو حتى في إيجاد كيان محاسبي نسائي مستقل، حيث لوحظ أن الكثيرين ينظرون إلى المحاسبة على أنها "مهنة ذكورية"، الأمر الذي يعتبر مؤشرا لعدم الثقة بإمكانات المرأة المحاسبة مقارنة بالمحاسب الرجل.
وفي دراسة بحثية أجريت في جامعة الملك سعود (2007) أظهرت نتائجها إلى أن أن غالبية أفراد العينة يرون أن شركات المحاسبة ليس لديها الرغبة في توظيف المرأة بنسبة 42%، مقابل من يرى أن لشركات المحاسبة الرغبة في إحلال المحاسبات السعوديات بدلا من المحاسبين الوافدين، بنسبة 24%.
ومن الدراسة السابقة واستطلاع الرأي يتضح وجود إشكالية تتعلق بمحدودية فرص العمل للمحاسبة السعودية فضلاً عن التجميد الوظيفي لها إذا كانت موظفة وهذا فيما يتعلق بالقطاع الخاص، ولكن ماذا عن القطاع الحكومي؟
في الحقيقة أن القطاع الحكومي تكون فيه فرصة العمل للمحاسبة السعودية أقل من القطاع الخاص، وقلما نجد محاسبة تعمل في الإدارة المالية في الجهات الحكومية صحيح أن هناك أقساماً نسائية في بعض الجهات مثل وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة، إلا أن عمل المحاسبة محدود النطاق فيها.
وزد على ذلك أيضاً أن عمل المرأة في هذه الجهات يشوبه العديد من السلبيات من أبرزها أن التعامل الإداري مع القطاع النسائي يمر من خلال المكاتبات الرسمية أو من خلال الهاتف، وفي الغالب يكون المسؤول الإداري عن هذا القطاع (رجل) وهو مسؤول عن الإشراف وعن الأمور الإدارية الأخرى مثل الترقية والإجازات والمكافآت، وبالتالي فإن هذا المدير يؤدي أعماله من خلال تقارير المشرفة المسؤولة، وعليه فإن قراراته تكون مبنية على أساس هذه التقارير، مما قد يؤدي ذلك إلى تسلط المشرفة النسائية على الموظفات في الإدارة، لأنه ليس هناك من يراجع أو يدقق التقارير ويتأكد من مصداقيتها وموضوعيتها، وهذا ما يفسر سر الشكاوى والتنازع في بعض القطاعات النسائية والتي ظهرت مؤخراً على السطح الإعلامي.
وليت الأمر يقف عند هذا الحد، فقد يستغل هذا الموضوع بالقيام بعمليات غير مشروعة، مثل التلاعب في العقود والمشروعات والتي تخص القطاع النسائي ناهيك عن النظرة القاصرة لبعض المسؤولين الرجال للمرأة والتي تتمثل في أن إدارة القطاع النسائي لا تليق به، أو ما كان ينبغي أن يؤديه وبالتالي قد لا يؤدي عمله على الشكل المطلوب.
وتأسيساً على ما تقدم، فإن دور الديوان يتمثل في البداية بإيجاد وظائف نسائية يعملن في الديوان كمراقبات ومحاسبات، يقمن بعمليات التدقيق والمراجعة، حيث لا يوجد في الديوان أية وظائف نسائية على الإطلاق، وليكن الديوان المبادر الأول في تحقيق ذلك لأنه يمثل القدوة الإدارية للجهات الحكومية الأخرى.
وفي المقابل أيضاً وكـون مـراقبة تنفيذ خطط التنمية تعد من مسؤوليات الديوان أن يكون هناك مهام تتعلق بـهذا الموضوع، وخاصةً فيما يتعلق بالعمل المهني للمرأة، ورفع تقارير بذلك للمقام السامي ومجلس الشورى.