دعم انتشار الثقافة والمعرفة والوعي مطلب لا يقل أهمية عن دعم رغيف الخبز، بل جوع العقل يكون أحياناً أهم وأولى بالرعاية. وإن كنا نتفق مع مقولة "عض قلبي ولا تعض رغيفي"، فإن هذا الاتفاق يأتي على إطلاقه، أي تعميماً، بينما جوع العقل يأتي في المرتبة الأولى لدى فئة خاصة، فئة زادها المعرفة، ولا ترضى بديلاً عن تغذية العقل. في هذا الإطار يمكن فهم ما اقترحه عضو مجلس الشورى الأديب حمد القاضي، عبر قناة الثقافية السعودية الاثنين قبل الماضي.
القاضي اقترح أن يتم الاتفاق بين وزارة الثقافة والإعلام وهيئة البريد على تخفيض رسوم إرسال المطبوعات، دعماً للمؤلفين، وهو اقتراح شديد الوجاهة، وسهل التنفيذ، فضلاً عن الدفع المعنوي الكبير الذي سيشعر به المؤلف حينما يجد أن كتابه الذي سيرسله من مكان إلى آخر، لن يعامل كعلبة حلوى، أو مجرد عدد من الجرامات التي لا تساوي كلمة واحدة في ديوان شعري أو رواية أو كتاب فكري أو نقدي أو سياسي... إلخ.
هنا يشعر أصحاب الكلمة بأن لهم تقديراً خاصاً، وأن لبضاعتهم التي تسد جوع العقل قيمة أخرى تحثهم على المزيد من الإبداع. ولعل اقتراحاً كهذا يفتح الآفاق لاقتراحات أخرى تسهم إسهاماً كبيراً في انتشار المعرفة، واحتضان العديد من الموهوبين الذين تموت أعمالهم في أدراج مكاتبهم. فمثلاً: ماذا لو تدعم وزارة الثقافة والإعلام كل كتاب يتم فسحه عن طريقها بتحمل تكاليف طباعته أو حتى نصفها؟
صحيح أن الأندية الأدبية تقوم بتحمل تكاليف طباعة ما يردها من أعمال بعد إجازتها، وتمنح المؤلف مكافأة رمزية أيضاً، لكن هذه الأعمال لا تحظى بالانتشار والتوزيع المأمول، وربما لهذا السبب تقوم بعض الأندية بالطباعة بالاشتراك مع بعض دور النشر المعروفة، ولكن هذا لا يكفي، فضلاً عن أن عدد الكتب التي تطبعها هذه الأندية في العام لا يتناسب مع السعي الحقيقي لانتشار المعرفة.
وماذا لو منحت وزارة الثقافة والإعلام من يتقدم إليها بمشروع بحثي قيّم ما يحفزه مادياً ومعنوياً على إنجاز مشروعه؟
هناك مقترحات كثيرة يمكن تنفيذها، ولا تستهدف إلاّ الصالح العام، صالح الوطن والمواطن في المقام الأول، ولا أعتقد أن هيئة البريد ستمانع إذا طلب منها تخفيض الرسوم على المطبوعات، ولا أعتقد أن وزارة الثقافة والإعلام عاجزة عن دعم المؤلفين والمبدعين، إذ هي تدعمهم بالفعل، ولكنهم يطمحون إلى المزيد.