يوم الأربعاء الماضي قرأت مقالين لكاتبين كبيرين، أحترمهما وأحرص على قراءة ما يكتبان، لكنني بصراحة هذه المرة قلت في نفسي: إمّا أنني لم أفهم – وهذه مشكلة أعاني منها أحياناً بسبب تواضع ثقافتي وفكري - وإمّا أن الكاتبين الكريمين لم يوضحا ما يريدانه بصورة جيدة، وكاملة، وإما أن فهمي صحيح، وما فهمته هو ما يقصدان، وبالتالي فقد شعرت بكثير من الدهشة والاستغراب والتعجب، بل وقليل من الألم، وأقول قليلا حتى لا يبدو وكأن الأمر فاجعة، فالمقالان في النهاية يحملان وجهتي نظر من حقنا أن نقبلها أو نرفضها، ولكن لأنهما كاتبان مهمان فقد اندهشت وتعجبت وتألمت.

المقالان منشوران في الزميلة "عكاظ"، الأول للدكتور على التواتي تحت عنوان "البعد الغائب في نطاقات"، والثاني لأستاذنا عبدالله أبو السمح تحت عنوان "أعيدوا النظر في مهرجان جدة".

الدكتور التواتي يحذر من إجراءات السعودة الجديدة التي اتخذتها وزارة العمل تحت مسمى "نطاقات"، ويرى أنها قد تشكل خطراً على علاقات المملكة الدولية، ويستشهد بالموقفين الإندونيسي والفلبيني من قرار وزارة العمل بمنع استقدام العمالة المنزلية منهما، وفي هذا السياق يرى الدكتور أن هناك دولاً أخرى قد تتخذ من المملكة مواقف سلبية فيما لو تم إحلال السعوديين والسعوديات في الوظائف التي تشغلها الآن تلك العمالة.

والحقيقة أن هذه أول مرة في حياتي أقرأ أن قيام أي دولة بتوطين وظائفها، سيجلب لنفسها عداوات خارجية، وتوترات سياسية، فما أعرفه أن كل دول الأرض تسعى بالتدريب والتأهيل والتعليم من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي من أبناء وبنات الوطن، وحتى لا يظن الدكتور أنني لا أعرف أقول له إن هدف الاكتفاء الذاتي مستحيل أو شبه مستحيل، مع أنني أظن أن الصين والهند اقتربتا من تحقيقه، أما أن السعودة قد تشكل خطراً على علاقات المملكة الخارجية، فأظن الدكتور التواتي تعرض لكابوس سياسي مزعج، ولم يجد أمامه سوى "نطاقات"، فافتعل هلع التوترات الخارجية مع الدول.

الأستاذ أبو السمح، هو الآخر تعرض فيما بدا لي إلى كابوس ليلي سببه الزحام الهائل في شوارع جدة، فلم يجد حلاً له إلا المطالبة بإلغاء مهرجان جدة السياحي السنوي لخمس سنوات قادمة، وإيقاف أي إعلان أو إعلام يدعو الناس للسياحة في عروس البحر، وبودي أن أسأل أستاذنا "أبو السمح": لو استجابت الجهات المسؤولة عن المهرجان وأوقفته، وتوقفت الدعاية لسياحة جدة، هل تعتقد يا أستاذ عبدالله أن تدفق الناس لجدة سيتوقف؟ أم إنك تريد – إذا تمت الاستجابة لمطلبك – أن تفرض وزارة الداخلية نظام طوارئ على مداخل جدة البحرية والجوية والبرية لمنع السعوديين والمقيمين غير الساكنين فيها، ومنع الحجاج والمعتمرين من الدخول إليها؟ تصدق يا أبا عمرو أنني بعد أن قرأت مطالبتك وجدتها أنموذجا حياً للمثل القائل "رب كلمة قالت لصاحبها دعني"، هذا فضلاً عن قولنا المتكرر: "الفاضي يعمل قاضي".

الآن سأنتقل بكم – بعد إذنكم – لأحدثكم قليلاً عن حبيبتي "صحيفة البلاد" وأقول حبيبتي ليس لأنني تشرفت برئاسة تحريرها لمدة عامين تقريباً 96 – 1998، ولكن لأنها أثيرة على نفسي من قبل ذلك بما لا يقل عن خمس عشرة سنة هي وشقيقتها مجلة "اقرأ" إذ إنهما أول من رحب بخربشاتي الطفولية في الكتابة حيث كنت أبعث لهما بتلك الخربشات من الطائف، عن طريق البريد بصفتي قارئاً لهما في تلك الأيام إذ كنت أشتريهما مع غيرهما من مكتبة الثقافة في باب الريع بالطائف.

وعندما رأيت النسخة المطورة من هذه الصحيفة العريقة يوم السبت الماضي، تذكرت ما قاله أستاذنا الكبير"عبدالله مناع " لي عندما تعينت رئيساً لتحريرها، قال "الصحف تمرض لكنها لا تموت"، وقد كان بهذا القول، يسليني أو يسري عني أو يبرر الورطة التي وضعني فيها هو وأستاذنا الجميل النبيل إياد مدني، اللذين كانا معي قلباً وقالباً توجيهاً ودعماً وتشجيعاً، حتى أصبحت تلك السنتين من أجمل وأخصب تجارب حياتي مع نخبة من الزملاء والزميلات وفي مقدمتهم رئيس تحرير البلاد الحالي الصديق "علي حسون" الذي أهنئه وزملاءه على هذه النقلة النوعية التي حققوها بكوكبة شباب التطوير الجدد الذين سيكونون ممن يشار إليهم بالبنان الإعلامي في المستقبل القريب، وقبلهم كبيرهم الجندي المجهول المثقف العميق والكاتب المتفوق على نفسه "أحمد عدنان"، لقد ابتهجت فعلاً وأنا أرى حبيبتي في حلّة بهيّة، وأرجو أن تستمر حتى أراها هناك حيث يليق بها في صدارة المشهد.