لا شك أن رمضان يمثل وقفة دينية وروحية سنوية تساعد المسلم على مراجعة نفسه وتصحيح أخطائه وبذل مزيد من العبادات والعطاء لله ولله وحده، كما أن رمضان يمثل فرصة لإعادة تصحيح النفس والعادات والسلوكيات والتعامل مع الآخرين في المستقبل – وقفة مراجعة سنوية ووضع أهداف جديدة للسنة القادمة (Resolutions) - وكلنا بحاجة لمراجعة الذات وتعديل السلوكيات، ورمضان يمثل أفضل وقت لهذا التغيير الإيجابي، ولنا مع رسول الله (ص) وقفات ووقفات كلها تمثل نماذج يحتذى بها، فرمضان لرسول الله (ص) شهر عمل وعبادة وليس شهر بطالة وكسل.

عندما نرى واقعنا في رمضان سنة بعد سنة؛ نلاحظ العجب العجاب، فالأعمال يتم تأجيلها إلى ما بعد رمضان، ومراجعات الدوائر الحكومية تتأخر إلا من رحم ربي، وأسعار المواد الغذائية تشتعل – ولا رقيب - والعائلات تتنافس في الأكل والشرب، وكأن رمضان للأكل والسمنة، وليس للعبادة وتهذيب النفس، وضبط الوزن واتباع العادات الصحية والبدنية الجيدة، والسهر في الليل (إلى الصبح) أصبح سمة المجتمع، وأما القنوات الفضائية فقصة أخرى! على مدى سنة كاملة، تستعد القنوات لرمضان بإنتاج المسلسلات والأفلام والبرامج الترفيهية، وهي ليست إلا عبارة عن أطباق رمضانية مسمومة، كلها بين الغث والسمين، وكلها هم وحزن ويأس.

يلعب الإعلام ـ خاصة المرئي ـ دوراً كبيراً في ثقافة المجتمع، وهو يماثل في تأثيره التعليم النظامي إن لم يتفوق عليه، كما يمكن وصف الإعلام بأنه تعليم غير مباشر، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية الرقابة النوعية على ما يتم طرحه وعرضه في وسائل الإعلام من قبل العائلة والجهات الرسمية، فالمسلسلات إذا كانت هادفة؛ يمكن أن تثري العقول وتنمي الثقافة وتربي الأجيال، أما إذا كانت هابطة فهي تدمر العقول وتفسد الثقافة وتضيع الأجيال، وهو ما نلاحظه في جل الأعمال العربية والخليجية، وتعطي صورة قاتمة وسوداوية للمجتمع، وكأن ما يتم عرضه في هذه المسلسلات يعكس كلياً ما يحصل في المجتمع! وكأن المجتمع يسوده التفكك الأسري والخيانة والضياع.

ما يحتاجه المجتمع وما تحتاجه بناتنا وأبناؤنا – أجيال المستقبل – أن تتم تنمية قدراتهم ودعهمم بالتركيز على ترسيخ الجوانب الإيجابية في المجتمع، والجوانب الإبداعية لدى الأبناء والبنات، والقيم والأخلاق الإسلامية لدى مجتمعنا، والدروس والعبر من تاريخنا الإسلامي، وتنمية مهارات الإلقاء والحوار والتفكيرالإبداعي، ومناقشة مشاكل المجتمع بطرق راقية وواعية وصريحة، وتقديم حلول إبداعية من متخصصين في مجالات الصحة والتعليم والتربية وغيرها، وتقديم شخصيات كنماذج يمكن لأجيال المستقبل أن تحتذي بها وتتعلم منها، وهذا ما ينبغي أن يقدمه الإعلام بكل أشكاله، في رمضان وغير رمضان.

يؤثر الإعلام وخصوصاً التلفاز على النشء والمجتمع بشكل كبير، فهو تعليم غير مباشر، فعندما يرى الطفل أو المراهق وحتى البالغ أحد الممثلين أو الممثلات يدخن أو يمارس سلوكاً إجرامياً – طبعاً من خلال تجسيد شخصية ما في مسلسل- فإنه قد يقلد أو على أقل تقدير سوف يستمرئ هذا العمل، وعندما ترى العائلة برامج ومسلسلات كئيبة ومحزنة ومأساوية ـ وما أكثرها في رمضان ـ فحتماً سوف تصاب بالإحباط واليأس، وقد يعتقد أفراد العائلة بأن هذه السلوكيات والمشاكل تسود المجتمع، مما يزيد من احتمال تعرضهم لهذه الأمراض.

بنظرة عامة حول ما يحصل في المجتمعات المتقدمة؛ نجد أنها تضع أياما وأوقاتا محددة لمشاهدة التلفاز، وتحدد نوعية البرامج التي تتم مشاهدتها، بينما في مجتمعنا تتم مشاهدة الأطفال للتلفاز دون تقييد للوقت، كما يتعرض الأطفال والمراهقون لأنواع البرامج والمسلسلات والأفلام دون تمحيص وتدقيق للصالح منها والطالح. أما تسمر الأطفال والمراهقين وحتى البالغين حول التلفاز أغلب الوقت دون ممارسة الرياضة، ودون ممارسة حوارات جانبية ودون ممارسة القراءة النوعية – وليست الصحف فقط ـ كل هذه السلوكيات أصبحت سمة غالبة للمجتمع، تساعدها طريقة تخطيط الأحياء السكنية، وتصميم المساكن الحديثة التي تساعد على انعزالية البيوت وبعدها عن بعضها، وقلة المجمعات الرياضية والترفيهية، وخصوصاً للنساء والأطفال.

عندما نلاحظ الأعداد والنسب الكبيرة في المجتمع التي تعاني من السمنة والسكري – وبشكل أكبر بين الأطفال والنساء – ويضاف لها المشاكل النفسية والاجتماعية التي تعاني منها بعض الأسر؛ فهي نتائج يساهم فيها الإعلان المرئي بشكل كبير، بل ويأتي في رمضان ليزيد من الجرعات السلبية، بدلاً من التوقف أو على أقل تقدير تقليل هذه التأثيرات، والاستعاضة عنها ببرامج ومسلسلات وأفلام هادفة، برامج تساعد على تغيير وتحسين العادات الغذائية والسلوكية، برامج تساعد على التغذية الروحية والرياضية السليمة، برامج يمكن لها النجاح في ظل تزامنها مع أفضل شهر في السنة، شهر يمثل أعظم فرصة للمسلم لتعديل السلوكيات وتصحيح العادات، ووقف المخالفات والتوبة من الزلات، ويستطيع الإعلام لعب دور ريادي وتوجيهي في هذا الإطار.

نعم للترفيه والفكاهة، ولكن بتوازن وليس على مدار الساعة، ونعم للرياضة، ولكن من خلال ممارستها – للجنسين بنين وبنات- وليس بمشاهدتها فقط، ونعم لمشاهدة الأخبار والبحث عن المعرفة والثقافة ولكن من خلال القراءة، وليس من خلال مشاهدة ومتابعة البرامج والمسلسلات والأفلام طوال الوقت، ونعم للحوار والمناقشة بين أفراد الأسرة، وليس بين الأسرة والتلفاز.

رمضان يمثل فرصة قد لا تتكرر لبعضنا، فحري بنا تحقيق أكبر فائدة ممكنة من هذا الشهر، وكفرد وأم وأب وبنت وولد، نستطيع أن نعمل الكثير من الإيجابيات كتحسين الذات، ليس فقط في رمضان ولكن فيما بعد رمضان وبشكل مستمر، وهو الهدف الأسمى من صيام رمضان. أما الأجهزة الإعلامية، فهي أيضاً أمام تحديات كبيرة لتغيير صورتها، ولعب دور أفضل في دعم ومساعدة المجتمع والوطن في الرقي والتطور النوعي.