لم ولن تكون الأفكار شيئاً إذا لم يغذّها الإيمان. الإيمان وقود الأفكار، وكل فكرة كبيرة بالضرورة يلزمها إيمان كبير كي تكون خلاصاً يحيا به بشر ويموت لأجلها بشر. هناك أفكار كثيرة مدهشة لكنها لم تستطع أن تؤثر في مصير البشرية، لأنها لم تحظ بما يكفي من الإيمان ولا المؤمنين، لذا فقد بقيت مجرد أفكار، يكتشفها من زمنٍ إلى آخر أناسٌ ينقبون عن طينة الإنسان ونبوغ أفكاره، فما تحاملنا عليه من التاريخ أعظم وأعظم مما مجدناه.. وهكذا ووفق هذا الأسى، أخيراً يقولون لقد مرّ عبر هذا الكوكب شخصٌ ما، وكانت له فكرة عظيمة، لكنها لم تنجح!

لنتحدث مثلاً عن الأفكار التي لم تنجح، عفواً لنتحدث عن رجلٍ واحد، بالرغم من كل ما كتب وفعل، لكن فكرته لم تنجح بما يكفي ليتذكرها العالم. العيب في رأيي كان في مجموعة من الظروف، في الظلم وحقارة ما نحياه، في الذهاب خلف السلطات والأنا. لم يكن العيب في تلك الفكرة نفسها، ولا فيمن فكرها!

الصادق النيهوم.. الذي كتب عن الإسلام في الأسر، والإسلام ضد الإسلام، وكتب للأطفال، وللكبار، الصادق النيهوم الذي هرب من ليبيا، كما يفكر أي رجلٍ حر أن يهرب من بين يدي نظام يقهر الكلمة، دون أن تفهم أنظمة القهر هذه أنه في البدء كانت الكلمات، وبهذا الإيمان هرب الصادق النيهوم إلى جنيف، وعاش حياته يحاول أن يقول شيئاً مختلفاً حتى قضى، وليته بقي حياً لهذا الوقت ليرى أبناء ترابه ومعانيه، يحملون أرواحهم على حوافّ الحرية، مُلهمين بها وحالمين بمداها.

يقول صديقنا ؛ الصادق النيهوم: (في المسجد أو خارجه، يستطيع المسلم أن يؤدي فريضة الصلاة . فالإسلام يعتبر الكرة الأرضية بأسرها؛ مسجدا مفتوحا للخلوة مع الله). النيهوم يرى أن( يوم الجمعة مخصص للقاء بين أتباع جميع الديانات وليس للمسلمين فقط. فهو جامع يعكس الوحدة الوطنية للشعب، طالما همت الأمور السياسية والإدارية جميع أفراد الشعب وطوائفه ).فهل يسمع الآن هذا الصادق النيهوم عن أسماء الجمعات؟ جمعة الغضب، جمعة الحرية، جمعة الشهداء، جمعة الحرائر، جمعة الصمود، وجمعة التحرير، وجمعة وجمعة وجمعة.. لكن ولأجل النيهوم متى ستأتي جمعة الوعي والفهم، متى ستأتي الجمعة الكبرى؟

الصادق النيهوم، واحد من أبناء مدينة بنغازي في ليبيا، ولو أن الأيام أسعفته ورأى أبناء مكانه وهم يحاربون لأجل حريتهم لكان سعيداً ومستغرباً مما يحدث. النيهوم يلزمنا أن نقرأه الآن!