اشتكى متحامل أوروبي أن رسالته التي نشرها على موقعه ضد العرب لم تحقق الصدى المطلوب فنصحه ناشط آخر بأن يرسلها لثلاثة مواقع عربية، وعندئذ يتولى أصحابها (بهبالة) نشرها مرفقة برسائل تحذيرية. بعد ذلك ستجد طريقها إلى الإيميلات العربية وتبدأ حملات الاستنكار والتنديد وبالتالي سوف تنتشر بين العرب. نعم هكذا بالفعل ما تردده الآن مواقع ومجموعات بريدية عن شخصية يهودية وجهات خارجية يقال إنها هي التي حركت الثورات العربية. لو كان الأمر كذلك، فقد نسي المروجون لهذه المعلومة أن يسألوا أنفسهم سؤالين: الأول؛ هل ثار الجزائريون والليبيون والمصريون والسودانيون ضد المستعمر الفرنسي والإيطالي والإنجليزي وطردوه من بلادهم بتحريض من يهودي آخر؟ والثاني هل من المعقول أن تحرض جهات أجنبية على تغيير أنظمة كانت متصالحة مع إسرائيل؟
كل المؤشرات تؤكد عدم وجود أي تدخل خارجي في صناعة الربيع العربي، فلماذا يساهم العرب بأنفسهم في تحطيم معنوية بعضهم ويبخسون قدراتهم ويضعون كرامتهم في مرتبة المفعول به؟ فأمريكا ودول أوروبا لم تك تعلم ماذا كان يجري في تونس ومصر وليبيا. فخرجت مواقفها في بداية الأحداث مؤيدة للأنظمة السابقة حتى إن فرنسا أيدت صراحة على لسان وزيرة خارجيتها الرئيس التونسي وكذلك تردد رئيس وزراء إيطاليا تجاه ثوار بنغازي في ليبيا. وبعد ذلك ظلت مواقف هذه الدول غائمة ومرتبكة لعدة أيام حتى تأكد لها أن التغيير قد أخذ يشق طريقه ليصبح واقعاً فأخذت تسير مع تيار التغيير وتتحدث عن الديمقراطية وحق التعبير والتظاهر.
السبب الحقيقي وراء ما حدث هو مجموعة عوامل داخلية تراكمت على مدى عشرات السنين من القمع والفقر وسلب الكرامة، والتدخل في عبادتهم والتضييق على المساجد كما حدث في تونس مثلاً. ومن الطبيعي ألا نتجاهل العامل الخارجي في أي وضع داخلي ولكن ينبغي أن نضعه في إطاره الحقيقي، فهو يعمل على استغلال الأوضاع الداخلية إذا تردت. حيث يعمل على توجيه مجرى الأحداث لمصلحته وإن لم يستطع، سوف يدعى أنه كان سبباً في تحريكها. لذلك ليس غريباً أن تحاول جهات خارجية الادعاء بتدخلها لكي تظهر للعالم أنها نصيرة حرية التظاهر والتعبير وفي نفس الوقت لتحجز لنفسها مقعداً في أغلى تجربة حضارية سطرها العرب في القرن الواحد والعشرين
لذلك من الظلم في حق العرب أن نروج بأنفسنا لشخصيات وهمية تدعي أنها حركت الشارع في تونس ومصر، لأننا في هذه الحالة نصنع بأنفسنا تماثيل ونكسوها من المهابة والمقدرة بما يكفي لنخاف منها. إننا لو تجاهلنا خطورة هذا الترويج، فسوف نرسخ الأفكار الخاطئة التي كانت تسلبنا القدرة على المبادرة والقدرة على الفعل. وبذلك نجعل الأجيال الجديدة تعيش في إحباط وتعيش في وهم الانتظار من الخارج.