طالما افتخر السعوديون -ولله الحمد- في كون بلدهم الأشهر في تطبيق الشريعة الإسلامية في القضاء، خصوصا في فترات الغربة في الخارج للدراسة أو غيرها، وهذا بلا شك نعمة كبيرة علينا حيث تجد القضاء النزيه الذي يقضي لك بما أمر الله تعالى في العلاقات الزوجية والمالية والتجارية وغير ذلك. في الوقت الذي يتحاكم الناس في الكثير من البلدان إلى الأنظمة والتشريعات البشرية التي كثيرا ما تتعارض مع شرع الله الحكيم والعقل السليم. هذا الأمر؛ لا يعني أنه لا توجد لدينا سلبيات يتوجب علينا مراجعتها بين حين وآخر، خاصة مع تكرر الشكوى والحاجة إلى إيجاد حلّ لمشكلة ما.

في الكثير من العقود الدولية وأحيانا حتى العقود التي تكون أطرافها وطنية؛ يتفق المتعاقدون على التحاكم في حال النزاع إلى أحد الأنظمة الأجنبية وتحت اختصاص محاكمها، مثل النظام الإنجليزي في لندن أو غيره. والسبب في ذلك غالبا هو عدم اطمئنان المتعاقدين لوضوح النظام القضائي السعودي وصعوبة التنبؤ في بعض الأحيان عن الحكم الذي سيقضي به القاضي في مسألة ما عند وجود الخلاف لدى الفقهاء. وهذا بلا شك يؤدي إلى تردد المستثمر الأجنبي أيضا.

لا أود الحديث هنا عن موضوع اختلاف الأحكام بين قاضٍ وآخر تحديدا، وإنما أرغب في لفت الانتباه إلى موضوع تطبيق الأحكام الأجنبية في حال صدورها على طرف وطني أو مقيم/مستثمر في البلد، وأنه توجد مشكلة أخرى وهي عدم وضوح النتيجة من طلب تطبيق حكم أجنبي في المملكة. حيث إن العمل في ديوان المظالم -الجهة المختصة هنا- على مراجعة تلك الأحكام من حيث عدم وجود ما يخالفها شرعا أو نظاما! وقد نص نظام الديوان في المادة الثامنة على اختصاصه "بالفصل في.. طلبات تنفيذ الأحكام الأجنبية". فعبّر النظام بالفصل وليس بالتنفيذ أو الاعتماد، مما يؤسس لممارسة الديوان من التدقيق في الأحكام الأجنبية، وكذا في الأحكام التحكيمية حتى لو كانت وطنية وهذا موضوع آخر يحتاج إلى مقال مستقل.

ربما يكون الأمر أقل إرباكاً في الأحكام التي تأتي من الدول العربية، حيث توجد اتفاقية جامعة الدول العربية الخاصة بتنفيذ الأحكام الأجنبية 1952م، وتلتها اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي بين الدول أعضاء جامعة الدول العربية 1983م -باستثناء مصر حيث ما زالت تعمل بالاتفاقية السابقة-، إلا أن عدم وضوح الرؤية في مدى اعتماد الحكم من عدمه لا تزال موجودة أيضا، حيث تنص المادة الثلاثون في اتفاقية الرياض المذكورة في حالات رفض الاعتراف بالحكم.. "فيما إذا كان مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية"، وهذه العبارة بالتأكيد بإضافة الجهات السعودية لما يعرف من حرص ولاة الأمر على هذا الأمر.

ملاحظتي هنا لا تعني الدعوة إلى اعتماد حكم فيما يخالف الشرع، ولكن المراجعة تشمل فيما لو خالف الحكم نظاما أيضا! كما ينص على ذلك تعميم رئيس الديوان في 1405هـ -الذي ما زال العمل ساريا عليه حتى الآن حسب علمي- عن أحكام الدول العربية "ألا يترتب على تنفيذ الحكم مخالفة شرعية أو نظامية"، وعمومية هذه العبارة تلغي فائدة الحكم الأجنبي المبني على نظام مختلف عن النظام الوطني، وتعطل مصالح كثيرة في حال تطبيقه كما هو! بالإضافة إلى أنه لا توجد قواعد واضحة يمكن الاعتماد عليها في تحديد ما يخالف الشرع من عدمه لدى كل قاضٍ. فما المقصود بمخالفة الشرع في حال كون موضوع النزاع في مسألة خلافية بين الفقهاء مثلا؟ خاصة أن دور الديوان هنا ليس دور القضاء وإنما دور المراجعة لحكم قضاء آخر! هذه الضبابية بلا شك تعكس صورة ليست بالجيدة عن مدى وضوح النظام السعودي وإمكانية الاعتماد عليه من قبل الجهات الأجنبية التي ربما ليس لديها الخبرة الكافية لمعرفة أسلوب القضاء لدينا، في حال قررت الاستثمار في البلد.

دائما يوصف رأس المال بأنه جبان، ويتخوف من أي شيء حتى لو كان مجرد إشاعة، ثم إنه في الاستثمارات الضخمة وخاصة المالية منها، لا يمكن القبول بعدم الوضوح في النظام، حيث بالإمكان هيكلة الاستثمار أو الاقتصاد على أي قواعد نظامية مهما كانت متشددة أو مخفّفة إلا أنه لا يمكن ذلك مع عدم إمكانية تحديد تلك القواعد، أو حتى عدم إمكانية تأكيد نظامية وشرعية تلك القواعد!

لاختصار نقاط هذا المقال؛ لدينا مشكلة عدم الوضوح في الكثير من المسائل النظامية التي من خلالها يحكم القاضي، ولا بد من إيجاد حل لها، سواء كان بوضع المزيد من الأنظمة والتشريعات أو باعتماد طريقة السوابق القضائية لأجل حل مشكلة عدم الوضوح لدينا.