ابتدأت في بعض المناطق السعودية انتخابات الأندية الأدبية، وقد كانت البداية في نادي مكة الثقافي الأدبي حيث أفرزت أولى هذه الانتخابات عن وصول مثقفتين للمجلس، وكانت المرحلة الثانية في نادي الجوف الأدبي إذ أفرزت أيضا عن وجود امرأتين في مجلسه، أما المرحلة الثالثة، فكانت في نادي حائل الأدبي وقد ارتفع معدل فوز النساء إلى أربع مثقفات، بل وصلت الأستاذة عائشة الشمري إلى استلام منصب المسؤول الإداري في النادي، وسوف تنتهج الانتخابات في الأندية الأخرى في الأسابيع والأشهر القادمة النهج نفسه على اختلاف في نسبة دخول النساء إلى تلك المجالس.
ومع وجود بعض الثغرات التي اكتشفها الناخبون والوزارة على حد سواء مما سبب بعض الإشكاليات التي دائما ما توجد في التجارب الأولى في أي عمل، إلا أن المجتمع قد أعطى المرأة شيئا من القبول الثقافي بحيث أعطى بعض أصواته لأولئك المثقفات مما يعني قبول المجتمع لشراكة المرأة في العمل الثقافي وذلك ضد الدعوات التي كانت تُؤطّر المرأة في السياق البيتي دون غيره، وهذا دليل على أن المجتمعات لها قابلية على التغيّر والتغيير إذا ما تُرِكت على حالتها الفطرية دون شحن ضدي تجاه بعضهم البعض، وتحديداً ضد تحرّك المرأة في المجال العام الذي دائما ما كان الرجل هو سيد الموقف فيه، وطبيعة المجال العام سواء كان ثقافيا أو اجتماعيا أو حتى سياسياً، فإن مفهوم الشراكة يكاد يفتح النطاق على أوسع أبوابه لدخول كافة أطياف المجتمع لتحقيق ذواتهم الثقافية أو الاجتماعية من خلال المشاركة العامة، وليس من الشرط أن تكون الشراكة في المجال العام في دخول عنصر أو عنصرين من أطياف المجتمع في المؤسسة التي يراد فيها العمل؛ إنما يمكن المشاركة في بلورة الاتجاهات العامة بأي طريقة أخرى وكل في سياقه، وبلورة الاتجاه يخضع إلى قابلية دخول جميع العناصر بحيث تتكامل الرؤية، ومن هنا كان لزاما دخول المرأة في مجالس الأندية كي تتكامل الرؤية الثقافية.
دخول المرأة في المجالس الأدبية يفتح النطاق على مستويات أوسع لمشاركة المرأة في المجتمع في كل الأماكن الأخرى.. صحيح أن طبيعة العمل الثقافي والأدبي نخبوية الطباع حتى مع توسع جماهيرية الثقافة مما يعني محدودية التأثير في المشاركة الفعلية في المجتمع في المجالات الأخرى، إلا أن دخول المرأة في المجالس الأدبية يفتح كُوّة في جدار التمنع الاجتماعي لقبول فاعلية المرأة، فالتغيير في طبيعته يبدأ من النخبة إلى العامة مهما كانت نوعية هذه النخبة سواء كانت ثقافية أو اقتصادية أو دينية أو سياسية إلا أن التأثير عادة ما يتحدّر من سقف النخب إلى أرضية المجتمع العادي، ومع اتساع دائرة التواصل الاجتماعي التقني فإن مشوار المرأة سوف يصبح أكثر تقلصاً عما كان عليه في محاولات المرأة فتح أطر عديدة لفاعليتها الإنسانية والاجتماعية والثقافية.
لم تكن محاولات المرأة في دخول المجالس الأدبية بالأمر الهيّن فلم يكن وضع المرأة الثقافي بأحسن حالا من وضعها في المجالات الأخرى حيث كانت تبقى في الصفوف الخلفية وبحواجز كثيرة. الآن لم يعد هذا الوضع مقبولا، إذ إن التطور الاجتماعي أعطى الفرصة في "تماثلية" المرأة مع الرجل؛ على الأقل في الجانب الثقافي حتى الآن.
سياق المرأة الثقافي هو سياقها في خارج العمل الثقافي تماما وهو سياق تفرضه ذكورية المجتمع. تختلف المسألة في نسبة هذا السياق، إذ تزداد لدى المرأة غير المثقفة أو لنقل غير الواعية، وتقل لدى المرأة المثقفة الواعية، وفي كلتا الحالتين ما تزال المرأة تشتكي من النظرة الذكورية للمرأة. يجب ألا نتوقع أن مشكلة المرأة سوف تحل نهائيا في دخول عدد محدود من المثقفات في مجالس الأندية الأدبية وإنما هو الطريق الأول لكسر هيمنة الرجل من خلال كسر هيمنة المثقف على مجالس الأندية التي طالت المدة فيها بحوالي ثلاثين عاماً في بعض الأندية الرائدة، وهي مفارقة عجيبة أن تكون بعض الأندية على طول وجودها التاريخي وأسبقية وجود المرأة كلجنة سابقاً في أروقتها تسبقها في الوصول إلى المجلس نوادي أقل منها عمراً. برأيي أن الأمر عائد إلى مسألة الجسور الاجتماعية الممتدة بين المدن السعودية، حيث أصبح التواصل أكثر من ذي قبل فما يحدث في مناطق المدن البعيدة نجد له صدى في المناطق الأخرى، ولذلك لا يمكن لنا تجاهل "نضالية" المرأة في الأندية ذات العمر الأطول كنادي جدة ومثقفاتهم مثلا في خلق روح النضالية لدى الأخريات في النوادي الأقصر عمراً.
يجب ألا نظن أبدا أن وضع المثقفة في هذه الأندية حتى مع وصولهن إلى المجالس الأدبية سوف يكون على أحسن حال، فنادي مكة الأدبي مع أنه النادي الأول الذي وصلت فيه المرأة المثقفة إلى المجلس إلا أن بعض المسؤولين في النادي ما زالوا يتصرفون بنوع من الذكورية في إدارة النادي، وما تزال المرأة مغيبة خلف حجب ولا يسمع إلا صوتها، وفي نادي حائل انتشرت إشاعة عن رئيس المجلس المنتخب أن يكون هناك ناد خاص للنساء منعا للاختلاط، وحينما استفسرت منه شخصياً أوضح أن المقصود كان إجابة عن وجود المرأة في النادي وأن المرأة كحفظ لحقوقها تستحق ناديا كاملا حسب كلامه، وأكاد أجزم أن يكون ذات الفعل في الأندية الأخرى القادمة في انتخاباتها إلا (ربما) في نادي جدة إذا ما وصلت مجموعة من المثقفات إلى المجلس.
لكن يبقى وصولهن إلى هذه المجالس بادرة وعي اجتماعي، خاصة أن ردة الفعل الاجتماعية كانت غير متوقعة حيث هناك قابلية كبيرة لدى المجتمع في وجود المرأة ومشاركتها في العمل الثقافي خلافا لما حصل في انتخابات مجلس إدارة الغرفة التجارية في جدة، وربما كان ذلك الحدث هو عتبة المرور لقبول المثقفة في المجالس الأدبية.
واضح أن المجتمع يتغير تدريجياً إذ حتى بعض الإخوة من الإسلاميين كانوا متقبلين لمنافسة المرأة في الأندية، بل وقبلوا ترشحهن وفوز بعضهن، وهذا مؤشر كبير في تغيّر البنى الذهنية في المجتمع؛ لكن يبقى التطبيق هو المحك الحقيقي، فهل يصبح الجميع ديموقراطيا كما يجب، أم يفعل العقل الذكوري فعلته فيحد من فاعلية المرأة بحيث تصبح عضواً صورياً داخل هذه المجالس؟ هذا ما سوف يكشف عنه العمل خلال الأشهر القادمة إما إيجاباً أو سلباً.