حين أطالع أفلاماً عن فيدل كاسترو والقذافي أو قناة الديسكفري عن (بول بوت) أو الوثائقية عن (ستالين) وقبو (لينين) بالأراشيف السرية وكثير من طغاة الشرق والغرب المعاصرين والأموات من هتلر وأتيلا وتيمورلنك وجنكيزخان وفرانكو وسالازار وبينوشيه يتردد في صدري سؤال واحد لم أعثر له على إجابة، حتى اجتمعت بكتاب لفيلسوف شاب عاش قبل أكثر من أربعة قرون، وترك خلفه كتابا غامض العنوان، ولكنه حيوي الطرح والشرح هو كتاب (العبودية المختارة) لـ (أتيين دي لابواسييه).. إنه كتاب لا أنساه قط، أهدانيه الأخ غطفان القادري في نسخة قديمة مغبرة، بخط لا يكاد يقرأ، على أنه مهم، مترجم بيد رجل كنيته صفوان فيما أذكر. لأول وهلة ظننت أنه كتاب (العبودية) لابن تيمية، قلت في نفسي رحلة كندا طويلة فلأقرأه في الطائرة؟ وحين بدأت في تصفحه ذهلت ثم ذهلت؟! شاب عمره 28 سنة عاش عام 1562 م قبل أربعة قرون، يكتب مثل هذا التحليل السياسي لآلة الطغيان؟ وكيف يبرك رجل على رقبة شعب كامل فيسوقه مثل الجمل والحصان؟ قلت: لا ... لا .. يجب أن يُقرأ جيدا؟ وهكذا قرأته مرات ومرات حتى فهمت منه ما يريد، أو هكذا أزعم، وواجهت آلة الطغيان تماماً، وعرفت كيف تعمل؟ مثل عمل أي جهاز عضوي في البدن، مثل هضم المعدة، وإفراز الكلية للبول، والدرق للتيروكسين، وتنفس الرئة بالغازات، ونبض الشريان.. سنة الله في خلقه. بعدها عكفت على البحث من زاوية أخرى أثارتها مجلة در شبيجل الألمانية بعنوان (التجربة Das Experiment) عن آلية السيطرة والانصياع، بقلم عشرة من الباحثين، في تجربة مشهورة من تجارب علم النفس، بإخضاع فريقين لتجربة قاسية، يأخذ بعضهم دور السجان والآخر المسكين المعتقل، وهي تجربة عشتها أنا أربع مرات وذقت ألمها، مما دفعهم لإيقافها بعد أيام، بعد أن خرج الوحش الإنساني من صدور الجلادين. ورأيت أنا هذه التجربة في فيلم فرنساوي بعنوان اغتيال رئيس، غالباً عن قصة اغتيال الرئيس كينيدي. وفي نهاية بحث مجلة در شبيجل الألمانية عرفوني على كتاب (القوة Power) لروبرت غرين الذي ترجم إلى عنوان (كيف تمسك بزمام القوة؟) ثم أخرج بعده كتاب 33 استراتيجية للحرب، وهو في نفس الاتجاه الملعون عن لعبة السلطة والقوة والإكراه والحرب والضرب، فليحذر من يقرؤه أن يقرأه بعين النقد والانتقاد والتحليل والسبر والتمحيص، وهو ما فعلناه في الكتاب الذي أصدرته دار الناقد بعنوان فقد المناعة ضد الاستبداد، شاركت فيه مع جودت سعيد وهشام علي حافظ رحمهما الله بـ 17 بحثاً، وكما يعلمنا العظيم (ابن خلدون) أن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة، وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والذاهب بالحاضر، فلا يأمن فيها المرء من العثور وزلة القدم والحيد عن جادة الصدق، وهو ما حدث لكثير من أئمة النقل والتفسير؟ ويذهب هذا العملاق فيستحضر لنا ستة نماذج من كتاب أئمة عظام في التاريخ، فيذهب إلى تخطئتهم وغلطهم وذهولهم عن المقاصد، ويقول لا يمكن لموسى أن يقود جيشا تعداده 600 ألف مقاتل، لا يعرف آخر الجيش ما يحصل في أوله، معتمدا في هذا على قواعد لوجستية بحتة، وهي أمور تغيرت مع الحرب العالمية الثانية حين دفع هتلر جيش بارباروسا بخمسة ملايين عسكري لوجود نظام الاتصالات والطيران، مما يحول المبالغات إلى صورة قوانين موضوعية، فتنكمش الأرقام وتتبخر المبالغات، والرجل هو سياسي محنك ممتحن مبتلى، يعرف كيف تساق الجيوش وأعداد العساكر وما شابه ذلك. ولذا فنصيحتي للقارئ أن يستفيد ثلاثاً من هذه الكلمات في الرجوع إلى (مقدمة ابن خلدون) وكتابه في التاريخ فليمنحه من الوقت ثلاثة أشهر على الأقل لفهمه وهضمه، وأنا شخصيا قرأت المقدمة أكثر من مرة في بعض الأمكنة، ومرة واحدة كله متمعناً دقيقاً فأخذته معي أكثر من شهر. وسمعت عن محمد عبده في مصر أنه كان يعمد إلى تدريس الطلبة فصولاً من المقدمة، وأنا أحاول دوماً أن أشجع على الاطلاع عليها بدون جدوى، لأنها مكتوبة بلغة سجعية قديمة فلا تجذب القارئ، لذا كان لا بد فيها من الصبر في القراءة، فربما كان من المفيد أن نشرح تلك الكتب المئوية في تأسيس المعرفة البنيوية طبقا عن طبق؟ فنورد حوالي مائتين إلى ثلاث مئة كتاب من ذخائر الفكر الإنساني ونشرح كل كتاب في أسطر قليلة فائدة للقارئ، وموعظة للغافل، وتنبيها للساهي والنعسان عسى أن يفيق.. ورفع القلم عن أربعة: عن الوسنان حتى يصحو، والمجنون حتى يعقل، والنائم حتى يستيقظ، والطفل حتى يعقل، وربما الأمم الغافلة الجاهلة حتى تتعلم! وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا.