تبين لنا أزمة أسعار الألبان التي اندلعت بداية الأسبوع الماضي مع محاولة شركة المراعي رفع أسعار منتجاتها مدى الغموض الذي تحمله السياسة الاقتصادية للمملكة. فالاقتصاد السعودي، وإن كان في مجمله يعتمد سياسة السوق الحرة التي تترك لقوى السوق حرية تحديد الأسعار بشكل مطلق، إلا أنه في الوقت نفسه يحاول اعتماد سياسة الاقتصاد الموجه في محاولة غير ناجحة لخدمة المواطن.
ولهذا التخبط بين السياسات الاقتصادية المتعاكسة دور في فشل الاقتصاد السعودي من الاستفادة من أي من ميزات السياستين، فلا هو حصل على بلح الشام ولا حتى عنب اليمن.
إن الزيادة التي حاولت المراعي تمريرها لها مبرراتها المنطقية. فكما تعكس القوائم المالية لشركة المراعي، فقد نمت المبيعات بنسبة 14% في حين أن مجمل الربح نما بأقل من 1%. بمعنى آخر، فإن التكاليف بدلا من أن تنخفض مع زيادة الإنتاج، فإنها في ارتفاع مستمر. ولذلك فإن إجبارها على العودة إلى الأسعار القديمة لن يعني بالضرورة أن الشركة ستحقق خسائر، أو أن أرباحها ستتقلص في الربع القادم، بل إن المشكلة أكبر من ذلك بكثير. فبسبب تزايد التكاليف وعدم تناسب العائد، لن تتمكن شركات الألبان من دعم استثمارات جديدة لزيادة طاقتها الإنتاجية لتلبية الطلب الناتج عن النمو السكاني. واستمرار السعر الحالي سيدعم استمرار معدلات الاستهلاك في الارتفاع، مما سيؤدي لاحقا إلى أزمة عدم كفاية المعروض. وبالتالي سنجد أنفسنا مرة أخرى أمام ارتفاع في السعر، سيكون سببه هذه المرة تسابق الزبائن على سلعة شحيحة، مما يعني خسائر أكبر للاقتصاد الكلي ناتجة عن فقدان استثمارات في الصناعة والطاقة الإنتاجية، وصولا إلى خسائر الزبائن عند ارتفاع السعر في نهاية المطاف. على الرغم من النتائج السيئة لتحديد السعر، إلا أن كافة الأسواق الرأسمالية تستخدم بعض قوانين تحديد الأسعار القديمة التي ما زال يعمل بها، مثل قوانين أسعار الخبز في بريطانيا وفرنسا. بمعنى آخر، يجب على الحكومة استخدام سياسات الاقتصاد الموجه بشكل محدود في بعض الأحيان، وبطريقة فعالة. فيتم تطبيق هذه السياسة بشكل شامل ينبع من المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الكلي مثل التضخم ومعدل النمو ومتوسط الأجور. فتشمل السياسة كافة الأسواق والسلع الأساسية، ولا تستخدم وسيلة تحديد الأسعار فقط، بل تمتد إلى الدعم المباشر والاستثمار الحكومي. ولذلك، فإن دعوة لجنة الألبان لوزارة التجارة "أين أنتم من السكر والأرز؟" تحمل وجها من الصحة. باستخدام مؤشر التضخم، نجد أن مجموعة الترميم والإيجارات ومجموعة السلع الغذائية هما الأكثر تأثيرا في التضخم. ولذلك فإن تحديد أسعار الأراضي لتخفيض الإيجارات هو بالتأكيد أكثر نفعا للمواطن من ريال اللبن.