حاليا الموسم في سوريا ليس الاصطياف والسياحة بل الموت والدم والدمع والندم.
وفي القرآن يتحدث عن ألوف خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم.
ويختلف المفسرون عن الحياة التي بعثوا لها، ولكن ظلال الكلمات عجيبة فهي توحي بخروج الحياة من الموت، كما تنتهي الحياة بالموت فيصبح النبات غثاء أحوى سنقرؤك فلا تنسى إلا ما شاء الله.
ولربما بعثت سوريا من الموت بدم الشهداء بعد أن بقيت في الثلاجة البعثية نصف قرن من الزمان الضائع..
وفي القرآن جدل دائم بين الموت والحياة؛ ففي سورة فاطر أربع مقارنات بين الموت والحياة، والظل والحرور، والأعمى والبصير، والظلمات والنور، فلا يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون.
ووقع تحت يدي كتاب صغير عن مراسلات تمت بين فرويد وآينشتاين بعنوان أفكار لأزمنة الموت والحروب، وربما وفي ظلال ما نرى من تكرر مذابح البوسنة في بلاد الشام على يد صرب جدد ما يحرض المخيلة عن هذه الأفكار.
إننا نعيش زمن الموت والقتل.
إننا نعيش زمن ولادة الحريات، ولكن بضريبة باهظة من الدم والدموع والحزن والفرح والأمل واليأس..
يقول الرب عن نفسه كل يوم هو في شأن..
وهذا يفتح الأمل على شواطئ لانهاية لها من التغيرات في النفس والمجتمع والتاريخ.
الحياة فيها تجدد وتغير ودورات لا تنتهي من التقلبات، أما الموت فهو السكون والتوقف نظير العدم فلا شيء جديدا وكل أفضى إلى ما قدم، والآخرة خير وأبقى.
في العهد القديم وملحمة جلجامش شيء من هذا القبيل عن هذه الجدلية من التغيرات، العين لا تمتلئ من البصر، والأرض من المطر، والنفس من الأمل.
أحبب من شئت فإنك مفارقه، وكلنا أشباح زائلة على سطح ماء، متدفق من نهر هائل اسمه الإنسانية.
ماذا يمكن أن يقال لأولئك الشباب الذين يستقبلون الموت وهم قوة وأمل ومستقبل وطاقة وصحة..
الموت هو لكبار السن... للمرضى... للضعفاء... وليس للشباب..
في العادة يدفن الأبناء الآباء أما نحن ففي زمن يدفن الآباء الأبناء..
ولكن هؤلاء اختاروا الموت بفرح لأنهم يشعرون أن هذه هي الحياة الفعلية..
وقفت أتفرج على شاب ضرب بالرصاص في رأسه والدم يرشرش من جمجمته، وأنا جراح أوعية أعرف معنى النزف جيدا.
إن رأسه فيه فتحة تتدفق منها الدماء على شكل حنفية تضخ بآخر كمية من الدم من فتحة الجمجمة ومن بجانبه يقول له تشهد أي انطق الشهادتين!..
قلت في نفسي نحن شهود تاريخ ومصائر وتغيرات وأفكار ودول جديدة .. رحماك ربي إن هؤلاء القتلة لا يعلمون ما يفعلون.