أفرزت بطولة كوبا أمريكا في نسختها الـ43 التي تستضيف منافساتها هذه الأيام ملاعب الأرجنتين تداعيات لم تكن في حسبان أي متابع متفائل للتغيرات في مواقع المنتخبات اللاتينية.

ربما يذهب متابع إلى خسارة المستضيف للقب وهذا أمر حدث، ولن يكون حدثاً مستغرباً بالكلية، وإن خسرت منتخبات بنتائج كبيرة كذلك لن تكون مستغربة لكون اللاعب اللاتيني ينظر دوماً إلى الأمام وموهبته الفردية تختلف عن نظرائه في أي مكان بالعالم، لكن أن يحدث ما حدث في هذه النسخة، فأعتقد أنه لم يمر في مسيرة البطولة الأعرق بمثل هذه النتائج من قبل!

صدمة البطولة ونقطة التحول الكبيرة برأيي تمثلت في خروج مرير لأهم وأشهر منتخبين في القارة اللاتينية، فالأرجنتين المستضيف خرج على يدي رفاق دييجو فورلان ولويس سواريز في ظل تهالك مستوى المهاجمين (الرعديدين) سيرجيو اجويرو وكارلوس تيفيز اللذين أضاعا مجهودات منتخب التانجو برعونتهما وخروجهما الذهني من أجواء المباراة الأهم في البطولة وبلادة تحركاتهما، ليتأكد عدم الاعتماد عليهما في اللقاءات الحاسمة كما يحدث لهما في فرقهما أينما ذهبا.

وما هي ساعات حتى لحق منتخب السامبا بنظيره ومنافسه التقليدي وبنفس الطريقة على يد رفاق روكي سانتا كروز ولوكاس باريوس، وبنفس العدوى التي أصابت زملاءهم لاعبي منتخب الأرجنتين من حيث محدودية الأداء الفردي والجماعي لجل عناصره.

لقد كان خروج المنتخبين الأرجنتيني والبرازيلي بعيداً عن تقدير أحد قبل انطلاقة البطولة، وبهذا المظهر الأدائي غير المقنع حيث شاهدنا لعباً فردياً ولم نشاهد على الإطلاق ذلك النهج الأدائي الجماعي المثير للمنتخبات السابقة، فاهتم لاعبو البرازيل بالتسريحات الغريبة والمقززة أكثر من اهتمامهم بتقديم العطاء المشرف الذي يؤهلهم لإحراز لقب أصعب بطولة في مسيرة منتخب السامبا.

تسبب هذان المنتخبان بتصدير الحسرة والحزن لأكثر من 227 مليون نسمة هو مجموع سكان كل من البرازيل 185 مليونا والأرجنتين 42 مليون نسمة، ليصبح هؤلاء جميعاً في حالة حزن شديد ليس فقط على الخروج المرير، وإنما على الصورة الباهتة للاعبين..!

لئن كان هذا هو الوجه المحزن في البطولة، إلا أن هناك وجهاً مفرحاً ومثيراً فيها، وهي تلك المنتخبات التي قدمت وجهاً حضارياً ومشرفاً لها ولشعوبها، و أعني منتخبات تشيلي وأوروجواي وباراجواي وفنزويلا وبيرو، فهذا الخماسي الأروع في البطولة من حيث المعايير الفنية الموضوعية، وترتيبه ـ كما أرى ـ وبحسب المحصلة الأدائية تتقدم تشيلي منتخبات البطولة عطفاً على العروض الرائعة من هذا المنتخب (المتعوب عليه)، وتتسمر أمام الشاشة وأنت تتابع نخبة ممتازة من اللاعبين يضمها منتخب (لا روخا اللاتيني) صحيح ليسوا برتبة نجوم الأرجنتين أو البرازيل أو حتى أوروجواي لكنهم سيصبحون كذلك من هذه البطولة وصاعداً، وسطع نجم لاعبه المبدع ألكسيس سانشيز من خلال هذه البطولة.

ويأتي منتخب فنزويلا في المرتبة الثانية على صعيد الأداء والمحصلة المثيرة، بعدهما يأتي منتخب أوروجواي الذي أتوقع إحرازه للقب الخامس عشر له ليتقدم بلقب على منتخب الأرجنتين.

من صالح الكرة العالمية مثل هذه التحولات والإفرازات التي نراها تحدث في بطولة كوبا أمريكا، فلا يبقى سوى من يقدم أفضل ما لديه، وأن الاعتماد فقط على اسم المنتخب أو النجم باتت حكاية من الماضي.

(برافو) نقولها للأرجنتين حسن التنظيم، ولتشيلي حسن الأداء، وللبطل كأس البطولة، ولقناة الجزيرة الرياضية حسن التغطية.