معلوم بأنه ليس كل الذين تخرجوا في أقسام الشريعة الإسلامية في جامعاتنا وحصلوا على بكالوريوس يمكن اعتبارهم من أهل الفصل في المسائل الدينية، فلا يُقاس العلم بالدين إلا بالدُربة والتفكير والتأمل والمقارنة والاطلاع الواسع على العلوم والمعارف الأخرى، وليس بكمية الشهادات أو حفظ كتب التراث، هذا رأيي، وأتمنى ألا يُغضب خريجي وخريجات الشريعة، فلا أعمم القضية على الجميع، فهناك قلة قليلة جدا ممن تخرج فعلا وهو ضليع في الشأن الديني، وهؤلاء هُم ممن اختاروا هذا القسم بمحض إرادتهم ولم يلجؤوا إليه بعد أن لفظتهم الأقسام الجامعية الأخرى لضعف نسبهم في شهادة الثانوية العامة، فقد ابتليت أقسام الشريعة بضعفاء وضعيفات التحصيل التعليمي من متدني النسب والتقدير الحاصلين على جيد ومقبول، وجميعنا يعرف ذلك ومنذ سنوات طويلة أن القبول فيها غير مشروط بنسب عالية كما تفعل الكليات العلمية والأدبية الأخرى، خاصة خلال الطفرة التعليمية، وما زاد "الطينة بلة" قبولها لمن يتم "شحنهم" لها حين تلفظهم الأقسام الأخرى وترسلهم "آليا" لها، وكأن الشريعة لا تحتاج لمستوى عال من التحصيل والقدرة على الفهم وهو أساسها، وأتذكر جيدا منذ سنوات، العديد من زميلات الثانوية حين رفضتهم الأقسام الأخرى، وجدوا أنفسهم في أقسام الشريعة كغيرهم من ضعفاء النسب مع عدم رغبتهم في الانتماء لها، نتيجة شح الوظائف للمتخرجين منها آن ذلك بعد الاكتفاء الوظيفي في وزارة التربية والتعليم، فالهدف "شهادة جامعية والسلام" إلا أن المشكلة أنهم تخرجوا بالآلاف وبات أكثرهم عالة على علوم الشريعة يفتون فيها من حيث لم يؤتوا فهما إلا حفظا! ولم لا؟! فأقسام الشريعة بحسب ما يُحكى ونسمعه في المجالس معظمها تقيس تميز طلابها بكمية الحفظ كحال التعليم لدينا، إلا أنهم يضيفون إلى ذلك مظهر التدين البادي عليهم أيضا، ومن ثم لا نتفاجأ أن هناك من يتخرج بضعفه الأولي ويُواصل تعليمه في الدراسات العليا لعدم وجود وظائف، فالمسألة "حفظ × حفظ " ويصبح من فئة "د" ويتحول بقدرة قادر إلى "شيخ" و"فقيه" ويعيد إنتاج الضعف والتطرف لمريدي مجلسه أو مسجده!
المؤسف ونحن نعيش هذه الأيام مرحلة قبول طلبات خريجي الثانوية في جامعاتنا وكلياتنا، ومع علمنا بتكدس وبطالة آلاف الجامعيين والجامعيات منها لعدم وجود وظائف، إلا أنها ما تزال مشرعة أبوابها وتقبل من تلفظهم الأقسام الأخرى، وإن كانوا هذه المرة ليسوا من أصحاب "المقبول" ولا "الجيد" بل "الجيد جدا" أو "الجيد مرتفع" نتيجة شح المقاعد الجامعية مقارنة ببقية التخصصات الأخرى، وما نزال نكرر ذات الخطأ، ونعيد إنتاج الضعف، لأنهم أساسا لم يقبلوا على ذلك القسم بمحض إرادتهم بل لأنه لا خيار أمامهم غيره مقابل هدف "الشهادة الجامعية" و"المكافأة المادية" لأربع سنوات، ومن جهة أخرى نعيد إنتاج البطالة للآلاف، إذ لا وظائف تنتظرهم بعد التشبع فيه وظيفيا، ولهذا فإما أن تغلق هذه الأقسام وفق خطط تعليمية استراتيجية فعلية تتكفل بحل أزمة بطالة السابقين لا تكديسهم سنة تلو سنة!! وإما تقنين القبول فيها بشروط الحصول على نسب تحصيل علمي وقدرات عالية جدا لمقاعد محددة، فالعلم بالشريعة أشبه بالطب الروحي ولا يقل أهمية أبدا عن شروط قبول دراسة الطب البشري، وكفاية ضعف وبطالة أرجوكم!.