أقرأ هذه الأيام الرواية الشهيرة (1984) للكاتب الإنجليزي ذائع الصيت (جورج أورويل) والنسخة التي اشتريتها مترجمة إلى العربية وصادرة عن المركز الثقافي العربي. كنت متحمسة لها لأنني كثيراً ما قرأت إعجاب النقاد بها وبنظرة كاتبها الاستباقية، فالرواية كُتبت في نهاية الحرب العالمية الثانية، أي في أربعينات القرن الفائت لتقدم لنا عبر قصة خيالية وصفاً لأحداثٍ ستحصل بعد هذا التاريخ بأربعين سنة.

إنها رواية الديكتاتورية والحزب الواحد والأنظمة الشمولية، وكيف سيتم تطويع التقنية (المتمثلة في شاشات الرصد) للتجسس على الناس والسيطرة على المجتمع، ولعل أورويل كان أول من استخدم مصطلح (الأخ الأكبر) أو (بيغ برذر) الذي عرفناه مؤخراً في برامج تلفزيون الواقع على هذه الشاشات. إذ تغدو أبسط احتياجات الإنسان الفطرية والنفسية محل مراقبة وتساؤل، فحتى تعابير وجهك يمكن أن تكون سبباً في سجنك، وحتى ممارسة هواية مثل الكتابة أو وضع مساحيق الزينة للنساء يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى أن تكون إحدى حملات "التطهير" التي يقوم بها الحزب ضد أتباعه، بحيث لا يبقى لهم أثر ولا ذكر في أي سجل أو مكان وكأنهم لم يخلقوا من الأصل! وحيث يتم تزوير التاريخ والجغرافيا بما يتماشى مع أهداف الحزب السامية، فلا يصبح للوطن ذاكرة ولا تاريخ، وتولد أجيال لا تعرف من الحياة على هذا الكون إلا الحياة وفق ناموس الحزب فلا تحلم ولا تتطلع إلى تغيير من أي نوع. أحد شعارات الحزب: "من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي". ويبدو أن هذا الشعار يعتنقه الكثيرون، فنجد الدول والأنظمة الجديدة تحاول بشتى الوسائل طمس كل معلم بنته أنظمة غيرها، مع أنه لم يعد رمزاً للنظام السابق أو الدولة البائدة وإنما هو حقبة من تاريخ الأمة، ولذلك لا أوافق على ما حصل في العراق سابقاً، ويحصل في مصر وتونس حالياً من هذا التغيير الشامل والعشوائي لأسماء الشوارع والمؤسسات التعليمية وغيرها، بحجة اجتثاث آثار الأنظمة الفاسدة، التي مارست الشيء نفسه سابقاً، فجامعة القاهرة مثلاً كانت قبل ثورة يوليو 1952م تسمى جامعة (فؤاد الأول) وكان ينبغي أن تظل كذلك.

وبالرغم من أن أحداث الرواية تدور في مدينة لندن، موطن واحدة من أعرق الديموقراطيات الحديثة، وبالرغم من أن العام 1984م قد حل ولم تتحول بريطانيا إلى هذا النوع البشع من الحكم، إلا أن هذا لا يعني بأن هذا الأمر أو قريباً جداً منه لم يحصل بالفعل في أماكن أخرى من العالم، فقد شهدنا مآسي الدكتاتورية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي وأمريكا اللاتينية والصين والشرق الأوسط.

أحد الجوانب المهمة التي تطرحها الرواية هي قضية الولاء، الولاء للدولة والحزب، ويُربى الطفل صغيراً على أن يكون ولاؤه للحزب مقدماً على ولائه لأهله، بل يتعلم الصغير (عبر منظمة الجواسيس) كيف يتجسس على أهله ويكتب التقارير ويرفعها للمسؤولين، وهي تقارير قد تكون فيها نهاية أحدهم أو كلهم. فما هو تعريف الولاء لدى الحزب؟ حسب ما يفكر فيه ونستون بطل روايتنا فإن ذلك يعني: "انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة للتفكير. الولاء هو عدم الوعي". ولهذا السبب فإن هناك شرطة متخصصة اسمها "شرطة الفكر" تتبع أولئك الذين يُشتبه أنهم يفكرون خارج الصندوق المرسوم لهم، خاصة من أفراد الحزب، فالحزب هو الذي ينتج الأفكار ويصوغها في الفنون والآداب وكل شيء من حولك، فما وافق ذلك لا يعتبر جرماً، لكن لو أتتك أفكار أخرى من نفسك، فأنت مذنب، ومشكوك في ولائك، وتشكل خطراً على أمن الدولة، ولا بد من تصفيتك.

قد تبدو هذه الصورة عن الحياة قاتمة جداً، ومستحيلة بل ومن غير المتوقع حصولها أبداً، لكن لو دققنا قليلاً لوجدنا، بأنه اليوم في بعض بلدان العالم العربي والإسلامي، نمارس هذا التعريف بصورة شبه يومية، على مستوى الدول والأحزاب والمؤسسات والأفراد، لأننا باختصار لا نقبل بأن يشذ فرد عن القطيع.

تريدون أمثلة؟ كيف يُحكم في بلدان عربية كثيرة على: الابن أو البنت اللذين يريدان الزواج من خارج القبيلة (أو المنطقة أو الدولة) من قبل أهلهم وعشيرتهم؟ أو على عالم الشريعة الذي يستنبط رأياً مختلفاً عن الإجماع؟ أو المثقف الذي اتخذ موقفاً من قضية ما عكس موقف أقرانه؟ أو الشباب الذين لديهم أفكار جديدة بالنسبة إلى المجتمع؟ أو النساء اللاتي يفكرن في اقتحام مجالات عمل غير مطروقة من قبل؟ أو على بعض المواطنين العرب الذين لديهم أفكار عن كيفية حل مشكلات بلادهم والمساهمة في تنميتها ويطرحونها بشكل سلمي وعلني ولم يتورطوا في أي عمل يمكن أن يزعزع استقرار أوطانهم؟

ألا يتم النظر إلى هؤلاء جميعاً بصفة عامة على أنهم مارقون ومعارضون وخونة؟ وستجد بأن هناك لوما شديدا ليس فقط للفعل الذي قاموا أو ينوون القيام به، وإنما حتى للفكرة ذاتها. فيتم لومهم على تفكيرهم، وتجريمهم على هذه الفكرة الجديدة سواء كانت تمس غيرهم بشكل مباشر أو حتى كانت أمراً خاصا بهم جداً، فقد اُرتكبت جريمة فكر ولا بد أن يحاسبوا عليها. وكل ذلك بسبب اعتناق هذا المفهوم الأعوج للولاء الذي بشر به أورويل قبل حوالي سبعين سنة.

أن توالي مذهباً أو دولة أو شخصاً أو حزباً أو فكرة، لا يعني أن على المرء أن يبيع عقله ويذوب تماماً فيها، فالعقل وجد ليُستخدم ولتقاس به الأمور، ولا يمكن أن يشكك في ولاء المرء لدينه أو وطنه أو أهله لمجرد أنه يتبنى أفكاراً مختلفة، فالولاء كما أفهمه، وليس وفق التعريفات اللغوية والشرعية، يعني أن تحب بصدق، فلا تخون من تواليه، ولا تطعنه في ظهره، ولا تستغل ضعفه، ولا تمكن منه أعداءه، ولا تتحالف معهم، بحيث يأمن جانبك. لكنه لا يعني أبداً أن تغض الطرف عن أخطائه، ولا ـ وهو الأسوأ ـ أن تجملها في نظره وتبررها لغيره، ولا أن تمتنع، في أضعف الأحوال، عن إنكارها قلبياً، فذلك حتى وفق شرعنا الحنيف.. أضعف الإيمان.