تباينت ردود الفعل ما بين مؤيد ومعارض ومتحفظ حول فتوى المستشار في الديوان الملكي الشيخ عبدالمحسن العبيكان بخصوص جواز سفر المرأة من غير محرم إذا أمنت على نفسها.

فالمعارضون يرون أن هذه الفتوى تتعارض مع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، وتتناقض مع رأي جمهور الفقهاء. وأن الأصل هو المحرم لتطبيق السنة ودرء المفاسد. وبصفة عامة فإن السفر ينطوي على الكثير من المشقة والمتاعب التي تلحق بالرجل، فكيف بالمرأة إذا ما سافرت دون محرم وكيف تواجه هذه المشقة بمفردها؟!

والمؤيدون للفتوى يرون أن بعض المالكية وبعض الشافعية ذهبوا إلى جواز سفر المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها، وكانت معها نساء ثقات، واستدلوا على ذلك بأن العلة من اشتراط المحرم هي رعاية المرأة وصيانتها، وهي متحققة حال الأمن وتوافر الرفقة الموثوقة.

وأما المتحفظون فيرون أن الأقرب هو المنع، ما لم تتوافر حاجة قوية ملحة، فإنه يجوز ولكن ليس على إطلاقه، بل لابد من توافر الاحتياطات الكافية التي تحفظ على المرأة نفسها.

وعلى كل حال فإن الاختلاف حول سفر المرأة بين فقهاء المسلمين موجود منذ القدم، ولكن ما يهمنا في هذا الموضوع هو اختلاف الروح المعرفية بين الفقهاء أنفسهم، والواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي نعيشه اليوم، فالبعض كما رأينا يستسلم إلى ما يرد في النصوص من غير فحص واحتكام إلى الواقع وسننه في الغالب (مرجعية النص)، وهم يرون أيضاً أن أقوال العلماء والفقهاء الأوائل في الإسلام أحكام مطلقة تصلح لكل زمان ومكان، والبعض الآخر عكس ذلك تماماً، غير منقطعين عن الواقع والمشاكل الاجتماعية المحيطة بهم (مرجعية العقل)، ويرون أن أحكام الفقهاء في تلك الفترة قيلت لمعالجة مشكلات آنية كان يعانيها المجتمع آنذاك. أما المتحفظون فيسيرون على مبدأ " الحيطة والحذر" ومبدأ " باب سد الذرائع"، ومع ذلك فهم يتجهون في الغالب إلى المنع والتشديد وإبقاء الأمور على حالها.

وفتوى الشيخ (العبيكان) ما هي إلا نموذج على هذا الاختلاف بين الفقهاء، ولكن ما يميز هذه الفتوى بالذات أنها تراعي التغير الاجتماعي الحاصل اليوم والمشاكل المصاحبة له، ففي القديم كان السفر مشقة وتحفه الكثير من المخاطر مثل هجوم اللصوص وقطّاع الطرق والتيه في الصحراء، ناهيك عن الفترة الزمنية الطويلة والتي تصل إلى أشهر عديدة، ولذلك فإن وجود المحرم مع المرأة كان مطلبا ضروريا لحمايتها في ذاك الوقت، والسفر لا يكون إلا للضرورة في كثير من الأحوال، ومن النادر جداً أن تترك المرأة أهلها وتسافر وحدها، واليوم قد تغير الحال، فقد أصبح السفر أكثر أمناً من ذي قبل، والفترة الزمنية لا تستغرق ساعات قليلة، ويكاد السفر اليوم يشبه الذهاب إلى السوق، ولا أبالغ إن قلت يكاد يكون أسهل من ذلك.

وهذا لا ينطبق فقط على موضوع (سفر المرأة) فحسب، بل ينطبق أيضاً على مسائل ومشاكل عديدة، لا يتسع المجال لذكرها، ولكن للتوضيح نأخذ على سبيل المثال موضوع (الزوج الغائب أو المفقود)، فمن المعلوم أن هذا الوضع يترتب عليه الكثير من الأمور، مثل وضع الزوجة، أو الإرث، لذا رأى بعض الفقهاء قديماً أن الزوج يعتبر متوفى إذا مرّ على غيابه أربع سنوات. وهذا الرأي يتوافق مع حال ذلك الزمان، ففي الماضي كان الرجل يغيب عن أهله هذه الفترة لطلب الرزق، ويكاد لا يتصل بهم لسنوات عديدة، أما اليوم فقد تبدل الحال مع توافر تقنية الاتصالات من جوالات وإنترنت وغيرها، وبالتالي فإن غياب الزوج لسبب أو لآخر يكون مدعاة للشك لإصابته بمكروه، لذا يرى بعض الفقهاء اليوم أنه إذا مرت سنة واحدة فقط على غياب الزوج فإنه يعتبر متوفى، وبعضهم اقتصر المدة إلى أربعة أشهر.

وبناءً على ما سبق نقيس أيضاً آراء بعض الفقهاء والعلماء في الأمور الاقتصادية مثل البنوك والضرائب وعمل المرأة والمسائل الاجتماعية، مثل مساءل الإرث والطلاق وتعدد الزوجات، فكثير من الآراء في هذا الموضوع لا تنظر إلى الظلم الاجتماعي الواقع على المرأة والأبناء جرّاء الطلاق وتعدد الزوجات، صحيح أن الإسلام أباح الطلاق وتعدد الزوجات ولكن في نفس الوقت وضع شروطاً وإجراءات لذلك تتغير بتغير الظروف والمجتمع، لم ينتبه إليها البعض للأسف الشديد.

نحن اليوم نمر بتغيرات وتطورات حديثة ومتسارعة، وقد بات معلوماً ما للبيئة من أثر على الناس ومصالحهم. ونعلم أيضاً ما للفتوى من تأثير كبير على هذه المصالح، فهي تصاغ في الغالب في قواعد قانونية وتدخل ضمن الأنظمة والتعليمات ويستند عليها القضاء في أحكامه وأعماله، وما لها من أثر نفسي لا يستهان به على الناس. ولا ننسى في هذا الصدد أن بعض فقهاء المسلمين أخذوا ذلك في الاعتبار، وخاصة الأوائل منهم، ومن ذلك أن الإمام الشافعي (رحمه الله) غيّر الكثير من آرائه وفتاواه حين انتقل إلى مصر.. فأطلق عليه المذهب الجديد، في مقابل مذهبه القديم، وأنه بحكم الخبرة والممارسة العملية للإمام أبو حنيفة (رحمه الله) بالسوق والتجارة، كان يترك العمل بالقياس لصالح العرف والاستحسان فيما يتعلق بأمور البيع والشراء، لذا يتحتم على فقهاء المسلمين اليوم إعادة النظر في المسائل الفقهية والمشاكل الاجتماعية والاهتمام بمصالح الناس الخاصة، وتقريب المصلحة العامة منها.

وليس هذا فحسب، بل يتحتم أيضاً الإصغاء والاستماع إلى مطالب ومشاكل الآخرين من جميع فئات المجتمع، ودراستها من دون تشنج أو غضب أو إقصاء للآخر. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال "يَسِّروا ولا تُعَسِّروا وبَشِّروا ولا تنَفّروا".