ما أسرع الأيام...!. كأنها الأنفاس التي لا تتوقف أبداً إلاً برحيل صاحبها!, لكن أيام العظماء لا تتوقف أبداً، حتى وإن رحلوا!.
في الثامن والعشرين من يونيو الماضي، أي قبل نحو أربعة وعشرين يوماً، كانت الذكرى الأولى لرحيل الشاعر محمد عفيفي مطر...، نعم مر عام وما يقارب الشهر على رحيل هذا العلم الشعري، الذي يعد مدرسة شعرية، لا مجرد شاعر!.
وستمر أعوام وأعوام على هذا الرحيل الذي وخز قلوب محبيه في الوطن العربي، ولكن عطاء الراحل لن ينقطع!.
وكيف ينقطع وقد ترك فينا ميراثاً شعرياً لم يزل الباحثون العرب يعكفون على عبقريته وينالون فيه الماجستير والدكتوراه؟!.
عفيفي مطر لم يكن "شاعراً ورحل"، بل نبع غاب صاحبه والماء لم يزل متدفقاً يروي ما حوله، وسيظل مادام هناك من يسعى خلف الكلمة وأثرها، خلف المعنى وإيحاءاته، خلف العبارة وتأويلاتها، خلف قيمة لا يمكن أن ينتهي أثرها بالرحيل المادي أو الغياب الجسدي الذي لن ينجو أحد من مخالبه، فـ"كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"!.
في ذكرى رحيل عفيفي مطر، يتسابق الشعراء على إحياء الأمسيات في ليالي القاهرة، كل يأتي بما في جعبته من قصائد تأبينية، أو غير تأبينية، وهو تقليد نراه دائماً في مثل هذه المناسبات، في مختلف مشاهدنا الثقافية والأدبية العربية، وهو تقليد نبيل بكل تأكيد، ولكن...!.
ماذا لو عمدنا إلى إحضار الراحلين في هذه الأمسيات بكياناتهم الشعرية؟!.
إن تكريم عفيفي مطر في أمسيات شعرية بإلقاء قصائده هو، أراه أنبل من إلقاء قصائد تأبينية وقصائد حزينة على فقده، وكذلك كل شعرائنا العظماء الذين رحلوا - جسداً - عن دنيانا!.
فما أجمل أن نسمع قصائد حمزة شحاتة في ذكراه، وقصائد غازي القصيبي في ذكراه، وقصائد محمد الثبيتي، ومحمود درويش... وهكذا!.
هي مجرد فكرة للقائمين على شؤون الثقافة والأدب في بلادنا العربية، بحيث في ذكرى هذا الشاعر العظيم أو ذاك، تشكل لجنة لاختيار أجمل وأعذب قصائده، وتختار اللجنة من الشعراء الأحياء من يليق بهم أن يتمثلوا الراحل العظيم، ويلقوا هذه القصائد على مسامع حضور ربما لم يقرأ للراحل، ولا أعتقد أن شاعراً حياً لا يتمنى أن يلقي قصائد شاعر عظيم رحل عن دنيانا وترك فينا ما يستحق المزيد من الحياة!.
رحم الله كل العظماء الراحلين من أبناء أمتنا، وجعلنا ننتفع برؤاهم وإبداعاتهم وإنتاجهم الذي غذى عقولنا ومشاعرنا وأرواحنا وحياتنا... ولم يزل!.