-1-
مقال اليوم له علاقة مباشرة بما كتبناه في الأسبوع الماضي، عن مشكلة القيم في القرن الحادي والعشرين. وهي المشكلة التي شغلت بال وفكر معظم مفكري وفلاسفة العصر الحديث، مما دفع اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) في باريس إلى تنظيم وإقامة ورشة عمل بهذا الخصوص، حشدت لها نخبة ممتازة من مفكري وفلاسفة هذا العصر، من معظم أنحاء العالم.
-2-
وكنا في مقالنا في الأسبوع الماضي قد استعرضنا آراء المفكر والناشط السياسي وعضو البرلمان الإيطالي جياني فاتيمو، والباحث الأميركي أرجون أبادوراي، المتخصص في العلوم الاجتماعية، والأستاذ في جامعة (New School)، والمستشار في فريق "المبادرات العالمية"، ومؤلف كتاب "الخشية من الأعداد الصغيرة: دراسة في جغرافية الغضب"، وعدة كتب في العولمة، والباحثة الجزائرية/الفرنسية هالة الباجي التي ركزت على عنف المطالبات الثقافية. والفيلسوف الفرنسي وعالم اللسانيات بول ريكور (1913-2005)، صاحب الكتاب المهم "نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى"، ومن أشهر فلاسفة التيار التأويلي والبنيوي، الذي أجاب على سؤال: "القيم إلى أين؟" بقوله: إن مسؤولية المثقفين لا تكمن في استباق تطورات تخضع لظروف متعددة خالية من الوضوح وإنما لعب دور "المدرب العام". وأضاف ريكور أن على المثقفين أن يكونوا في خدمة الجمهور العريض، آخذين بعين الاعتبار أن المثقفين ليسوا أقلية. وعلى المثقفين إذا أرادوا إرساء قيم الحق والحقيقة، أن لا يقبلوا الأفكار المسبقة التي تقف عائقاً في وجه تجدد التراث الثقافي الذي لا ينضب معينه. ونصحنا ريكور بأن نقبل واقعنا دون محاولة فك رموزه الصعبة. وحين نتقبل أسى واقعنا، فإن باستطاعتنا إعادة تفسير متبادل لتاريخنا.
-3-
ولم يفت مفكر مشهور كالراحل محمد أركون فرصة المشاركة في هذه الورشة الفكرية المهمة حول القيم، وهو المؤرخ المشهور للفكر الإسلامي. فكانت دعوته إلى إعادة قراءة جينالوجيّة Genealogy (تاريخ أو تطور المعرفة) للقيم. ويقول أركون: إننا بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2011 ، تدفقت الخطابات بشكل نافر، ودلَّت إلى أية درجة نحن لا نزال جميعاً أسرى التقسيمات القديمة للفكر الثنائي، وللتناقضات الضدية، ولعمليات التقديس، والحث على التجاوز، والإقناع بأسبقية الجوهر.
ويحذرنا أركون من ظاهرة مهمة، وهي وجود حركات فاعلة، سياسة في جوهرها، وإيديولوجية في توجهها، تُعلن انتسابها للإسلام، هي في قطيعة تامة مع الإسلام الأصلي زمن انبثاقه، وانتشاره الجغرافي، وبنيته الفقهية والتاريخية ، حتى القرن الثالث عشر الميلادي. وما يُدعى بـ "الإسلام السياسي" الذي هو محصلة جدلية مؤدلجة في العمقُ لثلاثة عوامل:
1-ضغوط الحداثة الكلاسيكية، التي لم تُستوعَب أبداً، والتي زاد من اتساعها ضغوط العولمة "المتوحشة" منذ "نهاية التاريخ" التي أعلنها فوكوياما 1990.
2-سياسات التقهقر الثقافي والاجتماعي، التي فرضها عدد كبير من الأنظمة الدكتاتورية القروسطية الناهبة لشعوبها.
3-التزايد الديموغرافي (السكاني) غير المسبوق في تاريخ المجتمعات الإنسانية، والذي لم يُحتضن من قبل الأنظمة الناهبة، التي شجعت بروز طبقة طفيلية، ومافيات سياسية – مالية.
وينتهي أركون في بحثه عن مشكلة القيم في القرن الحادي والعشرين في هذه الورشة، إلى أن القيم تُصبح خطرة في كافة الثقافات، إذا ما استخدمت استخداماً سيئاً في التمويه الفكري، والخداع السياسي، وألاعيب السياسة والإيديولوجيا المختلفة، بما فيها الاستغلال الديني للقيم العليا والنبيلة. ويقترح أركون في النهاية إعادة تأسيس القيم بشكل مستمر، بسبب المصادرة التي تتعرض لها، بفضل أولئك الذين ينصبون أنفسهم منظِّمين وحماة للقيم، التي تُعرف بـ "النبيلة"، طالما هي في منأى عن العمليات النقدية.
-4-
أما الفيلسوف الفرنسي المعاصر إدغار موران Edgar Morin ، عالم البيولوجيا المعاصر، والمتخصص في علاقة نتائج علم البيولوجيا وانعكاساتها على تصور الإنسان لذاته ومجتمعه وموقعه، داخل هذا الكون، فيعتقد أن مشكلة القيم في القرن الحادي والعشرين تتأتى من التعقيد الأخلاقي. ولكن موران يدرك التبدُّل والتغيُّر الذي حصل بسبب تنامي الاستقلالية والمسؤولية الفردية، وكون الإلزام بالقيم أصبح من الفرد ذاته، لا من أية جهة أخرى، وفقاً لنظرية كانط في الإلزام.
ويؤكد الفيلسوف موران أن النقص الذي تعاني منه الأخلاق الخالصة سببه عدم الاهتمام بالنتائج. فالنوايا الحسنة لا تنتج دائماً أعمالاً حسنة. وعلينا أن نتبع قول الفيلسوف وعالم الفيزياء الفرنسي بليز باسكال (1623-1662) في أساس الأخلاق: "لنعمل من أجل أن نفكر جيداً". وهذا يعني أن التفكير الصحيح ليس كافياً لأخلاق حميدة. ولكن الأخلاق الحميدة تنتج عن إلمامنا بالظروف المحيطة بنا، والمتمشية مع القيم. وهذا أساس نشوء "علم بيئة العمل" الذي أسسه الفيلسوف موران. وهو العلم الذي يحيط بالظروف، التي يتم فيها العمل، الصادر عن نوايا حسنة، لخدمة القيم.