نشرت وكالة الأنباء السعودية يوم السبت 23 يوليو توجيه صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، بعدم إزالة أي مبنى تراثي إلا بعد التنسيق مع الهيئة العامة للسياحة والآثار، للتأكد من أهميته التاريخية والعمرانية والإبلاغ عن أي تعديات أو إزالة للمباني التراثية.
وجاء ذلك في برقية وجهها لأمراء المناطق بناء على ما رفعه صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، حول قيام بعض المواطنين بإزالة مبان تراثية دون ترخيص مسبق.
وعلى الرغم من مساعي الهيئة لمتابعة قضايا التعدي على المواقع والمباني التراثية، إلا أنها بطبيعة الحال لا تستطيع القيام بذلك وحدها. ومن هنا جاءت الحاجة إلى إعادة التأكيد على أن تعمل الأجهزة المحلية، خاصة إمارات المناطق، وما يتبعها من محافظات ومراكز وقوى أمنية، على المحافظة على المباني التراثية ومنع التعدي عليها أو إزالتها.
ونقلت وكالة الأنباء تأكيد رئيس هيئة السياحة والآثار أن مواقع التراث العمراني المنتشرة في كافة مناطق المملكة هي شواهد حية على عراقة الحضارة ومشاركة الآباء والأجداد في بناء هذا الوطن، مما يجعل تلك المواقع تستحق الكثير من العناية والاهتمام من المسؤولين والمواطنين على حد سواء, مشيرا إلى أن الاهتمام بالتراث العمراني هو جزء من الاهتمام بالبعد الحضاري للمملكة العربية السعودية، وأن التراث العمراني يمثل أحد جوانبه المرئية والملموسة، ووجود التجربة المعاشة لمواقع التراث العمراني هي أبلغ وأفضل طريقة لإيصال وربط المواطنين - وخاصة الأجيال الشابة- بتراث وطنهم.
وجاء توجيه النائب الثاني في الوقت المناسب، فلعل القارئ تابع خلال الأسابيع القليلة الماضية المحاولات الجادة للحصول على اعتراف منظمة اليونسكو بمدينة جدة القديمة كأحد معالم التراث الإنساني. ولكن خلافاً لمدائن صالح ومدينة الدرعية القديمة، كان طلب جدة محفوفاً بالمخاطر، أمام مؤشرات بأن طلبها سيُرفض خلال اجتماع "اللجنة الدولية للمعالم والمواقع" ICOMOS التابعة لمنظمة اليونسكو. ونشرت بعض الصحف تصريحات لممثل المملكة في المنظمة تفيد بأن الإهمال الذي تعرضت له مدينة جدة القديمة قد يشكّل عائقاً أمام قبولها من قبل اللجنة كأحد معالم التراث الإنساني. وقد دعا ذلك هيئة السياحة إلى سحب الطلب، أملاً في أن تتتم معالجة الملاحظات المتعلقة بذلك قبل الاجتماع القادم للجنة.
وهناك مشاريع وخطط كبيرة لهيئة السياحة والآثار لإعادة تأهيل جدة القديمة على النحو العلمي السليم الذي تتطلبه قواعد المحافظة التاريخية، وتصرّ عليه اليونسكو قبل أن توافق على اعتبار أي منطقة أو معلم أو مبنى جزءاً من التراث الإنساني. ونظراً إلى أن اللجنة الدولية التي تنظر في الطلبات تجتمع عادة مرة كل عامين فلعل هذه الفترة تكفي لإعادة تأهيل جدة لتأخذ مكانها على القائمة، وهي أهل له، فهي إحدى أعرق مدن العالم.
وهناك مفهوم قديم يشكل تحدياً كبيراً أمام المحافظة على المناطق التاريخية. ووفقاً لهذا المفهوم فإن ثمة تضارباً، بل تناقضاً، في المصالح بين المحافظة على تلك المناطق وتطويرها. ومن الناحية النظرية، نتوقع أن يُحسم هذا الجدل بسهولة نسبية حين يتعلق بالعقارات والمعالم التي تملكها الدولة، فالموازنة بين مصالح التطوير والمحافظة التاريخية تتم على أساس واحد، وهو المصلحة العامة، وهذه المصلحة في الأغلب الأعم تقضي بالمحافظة على تراث الآباء والأجداد وعدم التفريط فيه مقابل مصالح آنية.
ولكن حين يتعلق الأمر بالعقارات الخاصة فإن الأمر يتطلب قدراً أكبر من الحكمة والخبرة، والحزم، والموارد الاقتصادية، لتحقيق التوازن بين المصالح الخاصة لأصحاب العقار والمصلحة العامة. وتحقيق ذلك التوازن أصبح ممكناً في كثير من الأحيان، وربما معظمها. ولكن حين يستعصي ذلك فإن الأمر قد يتطلب نزع ملكية تلك العقارات، مقابل ثمن عادل لها، بهدف المحافظة عليها للأجيال القادمة.
وقد مرت دول أوروبا وأمريكا بهذا الجدل كثيراً، وكان هناك حوار طويل بين دعاة التحديث الكامل والمطالبين بالمحافظة على التراث، وفي حين خسرت بعضها المعركة لصالح المطورين ومالكي العقار، استطاع معظمها المحافظة على البقية الباقية من معالمها التاريخية قبل فوات الأوان، وأصبحت تنفق ثروات طائلة للمحافظة عليها.
وفي الولايات المتحدة حيث هناك ندرة في المباني التاريخية، بسبب حداثة تاريخها، وُضعت قيود شديدة على التصرف بالمباني التي تحظى بمزايا معمارية أو تاريخية، ولو كانت يسيرة. وأذكر أنني سكنتُ في نيويورك في مبنى لم يتجاوز عمره (60) عاماً وقتها (أُكمل بناؤه في عام 1928م)، ولكن "هيئة المعالم التاريخية" Landmarks Commission في نيويورك وضعت المبنى تحت إشرافها، نظراً إلى أنه تصميم متميز للمعماري الروسي الأصل نيكولاس رويريخ. مما يعني أن الملاك لا يستطيعون إجراء أي تعديل في تصميم المبنى أو شكله الخارجي دون الحصول على موافقة الهيئة، وعادة ما تأتي هذه الموافقة بتعليمات محددة تراعي أصول المحافظة التاريخية.
وقد وصلنا في المملكة إلى المرحلة الحالية التي يهدد فيها النمو الاقتصادي المستمر، والارتفاع المستمر في أسعار الأراضي، معالم مدننا التاريخية، ولعل ذلك ما كان وراء تأكيد سمو النائب الثاني على أهمية الحفاظ على تلك المعالم أمام أيدي العبث والإهمال.
وهذه مهمة يجب ألا تقتصر على الأجهزة التنفيذية وحدها، بل تشمل المواطن العادي. ولعل المؤسسات الثقافية والإعلامية أن تستجيب لنداء سمو رئيس هيئة السياحة والآثار هذا الأسبوع بدعم جهود الحفاظ على التراث العمراني من خلال نشر الوعي بأهمية المواقع التاريخية وضرورة المحافظة عليها وأهمية تحويلها من أماكن آيلة للاندثار إلى أماكن قابلة للنمو والاستثمار.