قطعا هناك حكمة فيما يحدث للشعير، لكنها حكمة عزيزة المنال لا يعرفها كل الناس، فأنا مثلا تأملت وقلبت الأمر وحاولت الوصول إلى السر الباتع خلف هذا الذي يحدث فعجزت، ثم قلت لعلني غير مؤهل لذلك فسألت أحد المستهلكين، فوجدته أبعد ما يكون عن التفكير في الأمر، فهو يريد الحصول على قوت مواشيه ولا يهمه معرفة حكمة ولا سر، فتوجهت إلى أحد كبار تجار الشعير الذي تحول بفضل هذه الحكمة التي أريد أن أعرفها من تاجر كبير يستورد من الخارج إلى موزع محلي يتكرم عليه التاجر الوحيد الذي من حقه الاستيراد ببضعة أطنان يوزعها تحت رقابة مشددة إلى أن تخرج من مستودعاته أو محطات التوزيع لديه، فتختفي الرقابة وتتولاها السوق السوداء بعنايتها ورعايتها، فلا تصل إلى بعض المستهلكين المنتظرين في الشوارع الخلفية إلا وقد تضاعف سعرها.. وهكذا دواليك. المهم أنني سألته عن الحكمة العظمى الكامنة خلف توزيع (دم الشعير) بين أربع وزارات، وخلف تكليف تاجر واحد فقط باستيراده ومنع البقية وهم كبار وقادرون وتجاربهم ناجحة؟ فنظر في وجهي أولا ثم تأمل رأسي ثم بقية جسمي حتى أخمص قدمي، لدرجة أنني شككت أن ملابسي غير لائقة أو أنني ارتكبت جرما وكدت أثور في وجهه، لكنه ابتسم ابتسامة كانت بين الاصفرار والبياض، ثم قال: علمي علمك! فصرخت في وجهه: كيف علمك علمي وأنت كنت تشتغل بالمليارات في هذا المجال، ألم يشرحوا لكم الأمر ويقدموا لكم المبررات المقنعة؟ فضحك هذه المرة ضحكة غبراء داكنة وقال: ولا أحد عبّرنا، ولا سأل عنا، نتلقى قرارات وأوامر وما علينا سوى التنفيذ!
الذي يحدث في ميدان الشعير لغز، وزارة المالية هي التي تدفع الدعم المالي بعد (علعلة)، وهي التي تتحكم في الاستيراد.. تسمح لمن تشاء من التجار بفتح اعتمادات الاستيراد وتمنع من تشاء، وهي استقرت أخيرا على تاجر واحد سمحت له بالاستيراد ومنعت البقية وهم نحو أربعة عشر تاجرا، وذلك لحكمة لا يعلمها سوى الوزارة.
وزارة التجارة هي التي تراقب الأسعار وتتوعد من يتجاوز بالويل والثبور، لكنها عاجزة تماما عن ملاحقة الأسواق السوداء التي وصل فيها سعر الكيس إلى أكثر من سبعين ريالا. وفي مرحلة سابقة منذ أشهر أوصت الوزارة بمعاقبة عدد من تجار الشعير وصدرت العقوبات من وزارة الداخلية وتم التشهير بهم، ثم هدأ الرمي. والسبب في هدوء الرمي هذا أن هولاء التجار الذين جرت معاقبتهم والتشهير بهم ليس لديهم شعير أصلا، فهم ممنوعون من الاستيراد بأمر وزارة المالية منذ "مبطي"، ومعاملاتهم بنى عليها العنكبوت بيوتا في أدراج المالية، لكن وزارة التجارة فيما يبدو شُبه لها، أو اشتبه أو ليس لديها معلومات فأوصت بعقوبة من لا يملك لا معطيات ولا أدوات الخطأ.
وزارة الزراعة، وهي المعنية بالحفاظ على الثروة الحيوانية لا تدري من تراجع لتوفير الحد الأدنى من قوت حيواناتها، فلجأت بشكاواها إلى الصحف وبدأ مديرو فروعها يصرخون من الأسواق السوداء والتوزيع غير العادل للشعير وانعدامه أحيانا كثيرة، وهم لا يدرون هل يطالبون المالية أم التجارة أم يتوجهون بالشكوى لله ويكتفون.
والآن أسأل: ما هي الحكمة من كل هذا؟ لعل أحد القراء يتكرم بإيضاحها، أو إحدى الجهات المعنية المحتكرة لهذه الحكمة، إن لم يكن في كشفها خطورة على مزارع الشعير في آسيا أو على ثروتنا الحيوانية التي مات بعض أصحابها وهم في انتظار كيس شعير يسد جوعها.