يُحكى أنّه في قديم الزمان، أراد حكيم التعرف على كيفية تفكير العميان في محاولة رؤيتهم للواقع الغائب عنهم! فطلب من مجموعة عُميان بعد أن أحضر لهم فيلا أن يلمسوه ويصفوه له، فمضى كل واحد منهم إلى الفيل وأمسك بجزء منه وبدؤوا بوصفه، لمس أحدهم أذنه، والثاني خرطومه، والثالث أرجله الأربع، والرابع ظهره، أما الخامس فلمس رجلا واحدة من الأربع! وبعد ذلك وقف كل منهم يصف الفيل، فقال الذي لمس أذنه: الفيل منبسط ورقيق يشبه ورقة الشجر الكبيرة وهو يتحرك نحو الأمام والوراء بثبات!

وقال الذي لمس ظهره: الفيل كالهضبة العالية والرابية المرتفعة، أما من لمس أرجله الأربع: الفيل كالطاولة وله أربع أرجل، والذي لمس خرطومه: الفيل يشبه الثعبان، طويل ونحيل ويتحرك في كل اتجاه! أما الذي لمس رجلا واحدة، فقال: الفيل كالعمود أو كجذع نخلة! هكذا أخذ كل منهم يصفه كما رآه في خياله بعد لمسه، وفي ذات الوقت كل من العميان سمع وصف الآخر له، فأخذ كل منهم يُنكر على الثاني معتبرا إياه مخطئا ويقول للآخرين: الفيل ليس كما تصفون.. أنتم إما كاذبون أو مخطئون، فأنا لمست الفيل بيدي أيها الأغبياء!

هكذا ظنّ كل منهم أنه يمتلك الحقيقة كاملة، وتحمس لها، بل تطرف في حماسه ضد الآخرين، فوصفهم بالغباء والكذب، وانتهى الأمر للإقصاء، فيما كل منهم كان يرى جزءا من الحقيقة الكاملة للفيل.

هذه القصة أتذكرها كلما وجدتُ عددا ممن يتناقشون حول مسألة معينة خاصة لو كانت فقهية خلافية أو حول معنى لمصطلح أو اتجاه فكري ما، فيوسعها كل منهم تحليلا أو تنظيرا أو تفسيرا وفق رؤيته وفهمه الخاص لها، ومستوى وكيفية اطلاعه، إلا أنّ كلا منهم يُعلن ذلك ويتمسك به على أنه الصائب الوحيد والآخرون مخطئون، وقد يزداد الأمر تطرفا أو تعصبا حين يتحول الحماس للرأي إلى محاولة إصلاح الخطأ في آراء الآخرين كما يظنّه، وقد تكون طريقة الإصلاح ذاتها متطرفة فتتحول إلى تهم وفعل إقصائي!!

أضرب مثالا صغيرا نعيشه في يومنا الحاضر كثيرا، ونسمعه بين الناس، ونقرؤه في مواقع التواصل الاجتماعي، هو محاولة فهم مصطلح "الليبرالية" مثلا، كأكثر المصطلحات لبسا على الأذهان حتى على بعض المثقفين منهم، فهناك من يعتبر أنّ من يتخذها منهج تفكير وسلوكا خارجا عن الإسلام، فيما هي منهج قائم على التسامح والاعتراف بحرية وكرامة الإنسان والمساواة، وذلك ذاته هو جوهر دين الإسلام، فلا يتضاربان أبدا برأيي الخاص، ولكم هنا أن تختلفوا معي كما تغربون، فهذا مجرد مثال على اختلاف فهم كل منّا لها، وليس هذا ما نقلق منه؛ أقصد أن نختلف في الفهم والتحليل، فذلك ثراء، لكن تحول فهمنا الخاص إلى اعتباره حقيقة مطلقة، هو مكمن المشكلة! فليس هناك من يمتلك الحقيقة مطلقا، لأنها غير موجودة إلا في أذهاننا وخيالنا بعد أن ابتكرها الإنسان كي تكون مبررا له ليتحاور ككائن اجتماعي، فيختلف ويبدع ثم يبتكر ويبني.

ما أود قوله: إن الاعتراف بالتعددية لا يعني أبدا أنها محاولة للإلغاء بل ثراء نحتاجه للبناء والابتكار والسلام.