أحد الشهود المسلمين الذين حضروا مراسم العزاء في العاصمة النرويجية بعد العملية الإرهابية التي حدثت مطلع هذا الأسبوع والتي هزت العالم، قال لبعض وكالات الأنباء: لقد صعقت حينما علمت أن نرويجيا قام بذلك، إنها النرويج بلد التعدد والحريات والبلد الذي يقبل الجميع ويرحب بالجميع".

هذه العبارات تؤكد أن المسلمين الذين يعيشون في أوروبا أدركوا حقا بأن الليبرالية هي الضمانة والحماية الحقيقية التي تتيح لهم أن يحافظوا على دينهم وأن يمارسوا شعائرهم، ولذلك كانت صدمتهم شديدة للغاية وهم يرون بلدا مثل النرويج يتعرض لمثل هذه العملية التي نفذها المتطرف اليميني اندريز بيهرينج بريفيك، والذي ـ بحسب رأي المسلم النرويجي ـ قد ارتكب ناقضا من نواقض الليبرالية والحرية التي تمثل الروح الحقيقية للمدنية التي تعيشها كل أوروبا.

إنما.. لماذا كانت أعنف الأحداث والهجمات التي يعيشها العالم المعاصر تأتي من صنيعة متطرفين دينيين؟ خاصة مع زوال مختلف الأيديولوجيات غير الدنية بفعل المدنية وتقدم العلم ووسائل الاتصال؟

يؤكد يورغن هابرماس، أحد أبرز المفكرين أن مشكلة المتطرفين في مختلف الأديان هي أن منظوماتهم الدينية تقدم وصايا وأفكارا دينية غير محسوسة ولا يمكن قياسها، وتظل تتحدث بلغة نرجسية على أنها وحدها التي تملك الخلاص، وبمنطق نرجسي لاهوتي، وهو ما لا يمكّنها من أن تكون لاعبا أساسيا في عالم علماني لا خيار في علمانيته، وقائم على التحولات والتغيرات السريعة.

يمكن أن نستنتج من ذلك التحليل السابق لهابرماس سؤالا مهما عن لحظة الخيبة التي يشعر فيها التدين المتشدد بأنه غير قادر على استيعاب العالم من حوله، وغير قادر على تقديم رؤى ملموسة يمكن قياسها؟

الجواب: هو حالة من تصاعد الشعور اللاهوتي يجعل من التشدد حزمة من الأفكار والشخصيات التي تفصّل لنفسها حلولا ومصائر جاهزة تسعى للوصول إليها عبر الانتقام من هذا الواقع الذي عجزت عن استيعابه، الأمر الذي تزداد حدته كلما ازداد إيقاع العلم والمدنية وازدادت كثافتها في الحياة المعاصرة، وهو ما يفسر اللجوء إلى العمليات الانتحارية كنوع من تفصيل المصير والخاتمة من قبل المتشددين في مختلف الأديان. مما يعني أن التطرف والإيمان بمعطياته وتحولها إلى سلوك حاد وأحادي يستطيع تفسير مصيره وتصميم ذلك التفسير، هو الخيار الأوحد أمام التدين المتشدد واللاعقلاني لدى أتباع مختلف الأديان.

الذين انشغلوا أمام حادثة النرويج بالتركيز على فكرة أن الحادثة تثبت أن التطرف ليس في الإسلام فقط، هم في الواقع يعيشون حالة من التطهر والتبرؤ والإحساس المستمر بالحاجة إلى إعلان البراءة، وإلا فالتاريخ يؤكد باستمرار أن الأديان كلما تم اعتناقها بمنطق ضيق وأحادي ومتشدد وبدائي سوف تمثل المحفز الأبرز للتطرف والإرهاب، لأنه كلما ازداد العلم والاتصال حضورا وتأثيرا في حياة الناس، كلما أصيبت الحلول غير الملموسة والأفكار غير القابلة للقياس بكثير من التردي والشعور بالخسران الذي يجعلها تبحث عن الانتقام من هذا الواقع، واللجوء إلى الحلول وأفكار المصير الجاهزة، وفق ما تفصله تلك الذهنيات المتشددة، لأن الإيمان بالحق المطلق، يستلزم كذلك إيمانا بالمصير الجاهز والمطلق.

إذن.. نحن أمام ذات الورطة التي يعيشها التدين المتشدد وفي مختلف الأديان، والتي ومع ازدهار منطق العلم والاتصال تعيش حالة من البؤس والانتقام من كل ما لا يلائم أفكارها الأحادية، وبالتالي تحارب كل من يدعو لأفكار تحفز على الاختلاف والتنوع والقبول به، وأبرز دليل من الحادثة على ذلك أن النرويجي اندريز بيهرينج بريفيك كان ينتمي إلى جماعة يمينية متشددة أبرز مآخذها على بلادها تلك التعددية الثقافية التي تعيشها النرويج والتي من أبرز مظاهرها هجرة أتباع مختلف الديانات إليها ومن بينهم المسلمون.

ولكي نتأكد من عمق صلة الرحم القائمة بين مختلف المتشددين في كل الأديان يكفي أن نشير إلى ما نشرته الشرطة النرويجية من وثائق ورسائل عثر عليها بحوزة اندريز بيهرينج بريفيك والتي يصف خصومه فيها بأنهم مجموعة من (المثقفين الخونة، أصحاب التعددية الثقافية) ولم يكن ينقصه إلا أن يقول: ما يعرف في زمننا الحاضر بالتعددية الثقافية.

هذا العداء للفعل الثقافي، يكمن في أن المثقف يحتكم إلى ما يمكن قياسه وينتصر لسلطة العقل التي من شأنها أن ترفع من سلطة وحضور الدين، بينما يعيش المتدين المتشدد واقعا يجعله ينتصر لسلطة اللاهوتي الأحادي التي تفتح أبواب الصدام بينه وبين الواقعي والعلمي والدنيوي.

هكذا يبدو أن أبرز منغصات الصفاء العقائدي والديني التي حولت اندريز بيهرينج بريفيك إلى قاتل وإرهابي هي ذاتها التي صنعت مختلف الإرهابيين ذوي الخلفيات الدينية في كل الأديان والمجتمعات، وما قام به يعد أكبر دليل على ذلك، وما حملته اعترافاته من مقولات وأفكار لا تقل شأنا وقيمة عن ما تحمله رسائل المتطرفين الذين يسجلون رسائل متلفزة قبل قيامهم بعملياتهم الانتحارية، ويكفي هنا الاستدلال بمقولات نشرها بريفيك في العام 2009 على أحد المواقع الإلكترونية والتي يهاجم فيها دعاة تلبية التطلعات متعددة الثقافات وأصحاب النزعة الإنسانية، ويؤكد أن ما سيقوم به من أعمال إنما: (يعد دفاعا عن الهوية والثقافة والتقاليد). السؤال: ألا يبدو اندريز بيهرينج بريفيك وكأنه من مناهضي التغريب؟

لقد تحدث المسلم الذي حضر مراسم العزاء في النرويجية بنوع من الحسرة مفادها أن اندريز بيهرينج بريفيك لم يكن ليبراليا، لأنه يدرك أنه لو كان ليبراليا لدافع عن غيره ممن يعتنقون أفكارا لا يؤمن بها بذات الحماس الذي يدافع به عن نفسه. لأن اندريز بيهرينج بريفيك لو كان ليبراليا لما فعلها.