لفت نظري طفلٌ كان يجلس فوق المراتب الخلفية بين المقاعد والزجاج الخلفي للسيارة وهي تسير، وكانت السيارة مليئة بالأطفال والنساء، طفل بين السائق والراكب، وآخر بين يديّ الراكب الأيمن! ومن الواضح أنهم لا تعنيهم أيٌّ من قواعد السلامة خاصة فيما يخص الأطفال! لم يكن المنظر حضاريا أبدا وللأسف أنه يتكرر كثيرا في شوارعنا وكأننا نعيش عشرات العقود للخلف!

أذكر أنني أثناء فترة الدراسة في الخارج، وعندما اشتريت سيارة وقبل أن استلمها، ذهبت واشتريت المقعد الخاص بالأطفال خوفا من عقوبة النظام في ذلك البلد حال ترك الطفل دون مقعد خاص به مع ربط الحزام! وأعرف أن الكثير ممن يذهب ويستأجر أو يمتلك سيارة في الدول المتقدمة يجد بعض المشاكل مع المرور هناك، خاصة فيما يخص هذا الموضوع تحديدا؛ نظرا لأننا لم نعتد على مظاهر الحضارة هذه!

لننظر إلى الأنظمة الخاصة بهذا الموضوع في الدول المتقدمة ونقارن! حيث في أغلب الدول الأوروبية يُلزم النظام الأطفال إلى سن 14 سنة تقريبا (يزيد أو ينقص نسبيا من بلد إلى آخر) أو طول cm150، وفي عام 2006م تم سنّ نظام موحد من خلال البرلمان الأوروبي على الدول الأعضاء فيما يخص هذا الموضوع، ألزم بعدة أمور من بينها إلزامية جلوس الطفل على مقعد الأمان الذي يختلف باختلاف سن وحجم الطفل، كما ألزم بمنع جلوس الطفل في المقدمة إلا إذا لم يكن هناك وسادة هوائية واقية أمامه. وفي بريطانيا التي نظّمت هذا الأمر مبكِّرا جدا، حيث وجدت نظام المرور الصادر عام 1988م (وقد عُدّل عدة مرات) قد نظّم ما يخص الأطفال ومقاعد الأمان..، ولم أتمكّن من متابعة الموضوع هل يوجد تنظيم سابق أيضا -نظرا لضيق الوقت-، فقد صنَّف النظام البريطاني السائق الذي يقود السيارة وبرفقته طفل دون مقعد أمان بأنه ارتكب جريمة! ويحال إلى المحاكمة، إلا إذا أثبت بتقرير طبي يُرسل خلال ستة أيام، أن الطفل يضره الحزام أو المقعد! وربما يتعرض السائق إلى السجن أو سحب ولاية الأب /الأم للطفل إذا رأى القاضي أنه (أنها) مفرّط بتكرر ذلك أو نحوه! وفي عدد من البلدان ككندا وأستراليا تضع غرامة مالية عالية، وجزء منها تحت مسمى (غرامة ضحية إضافية، حيث يعتبرون الطفل ضحية التفريط وكذا في حال وقوع حادث وتضرر آخرون فهم ضحايا لنفس التفريط أيضا)، بالإضافة إلى شطب عدد من النقاط على السائق، ومع وجود خيار سحب الرخصة نهائيا إذا رأى القاضي ذلك!

نحن في الإسلام؛ الوالدان أو الأولياء مسؤولون عن الأبناء ومن تحت رعايتهم، وفي الحديث الشريف عن النبي عليه الصلاة والسلام (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)، ولا شك أن هذا الإهمال الحاصل من الآباء والسائقين ليس فيه رعاية للمسؤولية، ولو كان على الأب دية في حال وفاة الطفل -في مثل هذه الحالة- لقلت إنه يجب عليه دفعها بالإضافة إلى الكفارة للقتل الخطأ في حال حدوث وفاة للطفل بهذا السبب!

كم من الأبناء الذين قضوا نتيجة هذا الإهمال؟ وكم من الضحايا الآخرين الذين تعرضوا للحوادث بسبب انشغال سائق بالأطفال يطوفون من حوله في السيارة؟ وللأسف أن نظام المرور لم يُعطِ هذا الأمر أهمية كبيرة، وربما أجد لهم عذرا حيث إن المشاكل المرورية والتزام الناس بالنظام يحتاج إلى تدرّج في التطبيق، إلا أنني أرى أن هذا الأمر من أهم الأمور لما فيه من السلامة الضرورية للأطفال والآخرين، وكذلك كي يستطيع السائق التركيز في القيادة خصوصا مع كثرة الأطفال في السيارة وإشغالهم للسائق.

لذا؛ فإنه يفترض أن يحاسب الأب/الولي للأطفال/السائق من حيث تقصيره في ترك الأطفال دون مقعد الأمان الخاص بالطفل مع ربط الحزام، كما أنه يجب أن يحاسبوا قضائيا على التفريط في الرعاية كي يتعزز لدى الناس ثقافة الالتزام بقواعد السلامة خصوصا مع الأطفال. كما أن تعديل نظام المرور يجب -في نظري- أن يكون من الأولويات لدى مجلس الشورى لما فيه من الملاحظات (وقد سبقت الإشارة إلى بعضها في مقال سابق) ومن أهمها هذه الملاحظة.

فالمرجو من مجلس الشورى وجهاز المرور أن يُعيدوا النظر في بعض النقاط الخاصة بهذا الأمر، ولا بد من تشديد العقوبات كي يستقيم الناس ويلتزموا بقواعد السلامة والأمن، حيث إن نتيجة التفريط هنا هي الخطر على حياة الأطفال أنفسهم، وكذا تعريض الآخرين للخطر نظرا لما يؤدي انفلات الأطفال في السيارة غالبا إلى تشويش السائق، ومن ثمّ حصول الحوادث لا سمح الله، وكلّي أمل بإذن الله حيث نشهد تحسنا متسارعا ووعيا متصاعدا من الناس خصوصا مع التطور المستمر في المرور.