عالمنا، عالم القرية الكونية، هذا العالم المحموم العالم المجنون لا نعرف إلى أين يتجه بنا.. كلما رأينا تقدماً علمياً في مجال من المجالات قلنا وصلنا. وكلما رأينا اكتشافاً جديداً قلنا هذه غاية ممتازة. إلا أنه مع تسارع الاكتشافات والابتكارات والتقدم التقني، ليس فقط من حيث النوع لكن أيضاً من حيث الزمن أو قل اللازمن الذي يفصل بين اكتشاف وآخر وتطور وآخر فإن بعض خطوات التطور التقني تُحجز في عملية تسمى “ ON HOLD” لأسباب تجارية بحتة. ويقول علماء التقنية والباحثون إن الفجوة بين الألفية الثانية والألفية الثالثة كبيرة جداً إلى درجة أن الفارق الكبير بين كل مستوى من مستويات الحياة سيكون فارقاً هائلاً. هذا العالم سيبلغ به الجنون إلى درجة التفكير في قضايا لا تخطر على بال بشر. وسأتدرج بالقارئ من الأسهل إلى الأصعب تبعاً للمثل القائل: إذا أردت لكلامك أن يُبلع بسهولة فاجعله لين الملمس حلو المذاق وحتى لا يصعق الإنسان مما يقوله العلماء الذين يخططون لمسيرة تقدم التقنية ويمكنه بلع كلامهم. المتحدثون هم حاملو جائزة نوبل في تخصصات علمية مختلفة يتحدثون في ندوة ضمتهم فقط دون وجود ما يسمى اصطلاحاً مدير جلسة MODERATOR في محطة فضائية عالمية. تحدثوا في مجالات عديدة، عن التسلح ويرون فيه دماراً للعالم وعن الفارق الرقمي "DIGITAL DIVID" بين دول العالم. أي بقاء جزء من العالم متخلفاً تقنياً وليس هذا مجال الحديث عنه. لكن اللافت للنظر حديثهم عما يتوقعونه من تقدم مذهل في عالم النقل والتنقل والمواصلات.

في هذا المجال، وفي فترة الثلث الأول من هذا القرن يتوقع العلماء أن تقترب المسافات ويقل الزمن الذي يستغرقه المسافر من دولة إلى أخرى حتى إنه يمكنه أن يتناول طعام إفطار عمل في جدة والغداء في لندن والعشاء في طوكيو ليعود إلى جدة في نفس المساء لينام ليلته ثم يذهب إلى عمله في اليوم التالي. ويتوقع العلماء أن يتم ذلك عبر واحدة من طريقتين أو بهما معاً. إما أن ينتقل إلى "الأوربت" مباشرة وبطريقة عمودية تماماً بالطريقة التي تستخدمها ناسا في مكوك الفضاء (كانت آخر رحلة له وصوله إلى الأرض يوم الخميس 21 يوليو 2011م منهية بذلك حقبة رحلات المكوك إلى الفضاء) ثم العوم دقائق ليبدأ النزول إلى محطة الوصول. وذلك في مدة لا تزيد عن خمس عشرة دقيقة لأبعد محطة وصول. هذه الإمكانية متوفرة الآن لكنها مكلفة وليست على مستوى تجاري والمحاولات الآن هي فقط تحويلها إلى مستوى تجاري. والطريقة الثانية التي يُفكر فيها هي استخدام منطاد ينطلق مثلاً من جدة أيضا إلى الأوربت ثم "يبنط" في لندن لينطلق مرة أخرى إلى الأوربت ثم يحط في نيويورك وفي مدة لا تتعدى خمس عشرة دقيقة. هذه هي أبحاثهم التي يريدون تحقيق أحد أهداف تسهيل وسرعة وسائل النقل عن طريقها. هذا ما يتعلق بالنقل العام. أما ما يتعلق بالتنقل الشخصي فيقولون إن هناك طريقتين إحداهما سهلة التحقق وبدأ إعداد تصور عنها وتسمى "النفاث الشخصي" PERSONAL JET. فإذا كنت مدعواً لحفلة في بيروت أو القاهرة يمكنك مساعدة الأولاد في واجباتهم في أول الليل وإدخالهم أسرتهم ثم أخذ أم العيال لتلبية الدعوة والعودة في نفس المساء والذهاب إلى العمل في اليوم التالي. وهنا لن تضطر إلى أخذ إجازة اضطرارية ولا الغياب عن العمل وتعطيل مصالح خلق الله. يقولون إن قيمة هذا النفاث لا تزيد عن خمسة آلاف دولار ويمكنه الإقلاع والهبوط في مسافة 500 متر. والله راحت على جيلنا. وإذا فكرت في الطريقة التي يستخدم بها الأطفال التقنية وألعاب الشبكات اليوم فسوف لا تستغرب تمكنهم من التعامل مع هذا النوع من التقنية. ثم لماذا الاستغراب! دعوني أحك لكم هذه القصة الواقعية لتبديد استغرابكم. في نهاية الثمانينات الهجرية رافقت والدي، رحمه الله رحمة واسعة وأموات المسلمين أجمعين، بالطائرة من بلدتنا التي كانت من أوائل البلدات التي بها مطارات إلى الطائف في طريقنا إلى مكة المكرمة للحج وكانت أول رحلة لي بالطائرة. كانت الطائرة من نوع "كونفير" واستغرقت الرحلة حوالي الساعة أو أقل قليلاً والمسافة حوالي 350 كم. وعندما حطت بنا الطائرة حمد الله والدي بصوت مسموع ثم بدأ يحدثني بقصة رحلاتهم للحج. يقول كنا نتاجر بالأغنام ونسافر بها إلى مكة لبيعها للحجاج كأضاحي وكانت الرحلة إلى مكة تستغرق شهرين كاملين كل عام. ثم قال وهنا الشاهد: لو أن أحداً حدثنا أن هناك صندوقا يحملنا لمدة ساعة إلى مكة لما صدقنا. يقصد النقلة النوعية في مجال النقل. من شهرين إلى ساعة. الآن سيكون الأمر أسهل من بضع ساعات إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلى بضع دقائق. أما في مجال النفاث الخاص فإن رؤيتهم أن ما يسمى نظام الهجرة سيتغير بتغير الأنظمة العالمية ومنها ما نراه الآن في نظام التجارة العالمية WTO الذي ينبئ عن بوادر ما يتحدثون عنه. التوقع ألا تكون هناك قيود على الحدود بتنظيم محدد يسمح للتنقل بالنفاث الخاص الذي سيصاحبه نظام محدد وخطوط سير محددة وأنظمة مرور محددة تماماً مثل نظام السيارات يتناسب مع طبيعة نوع وسيلة النقل هذه. الأمر الثالث وأرجو ألا "يغص" أحدكم أعزائي القراء بما سيقرأ. لأنني والله رأيت هؤلاء العلماء بـ "الونيفورم" المعملي الأبيض على شاشة التلفزيون يبحثون هذا الأمر الذي يتعلق باكتشاف أسرع وسيلة تنقل بحيث يمكن وصول المسافر من طوكيو في طرف الكرة الأرضية الشرقي إلى نيويورك في طرفها الغربي في مدة لا تتجاوز جزءا من الثانية. لا تفرك عينيك ما قرأته صحيح جزء من الثانية. بحيث يُدخل المسافر في جهاز ليتحلل DISOLVE ثم يعاد تركيبه أو بناؤه RECONSTRUCTED في أقل من ثانية. نحن المسلمين نقول إن الروح من أمر الله. هذا ما سيتبادر إلى أذهانكم مثلما تبادر إلى ذهني عندما سمعت هذا الكلام لأول مرة. لكننا أيضاً نقول إن الله يقول "علم الإنسان ما لم يعلم" العلق آية5.