من يقرأ التاريخ السعودي الحديث، منذ ليلة الخامس من شوال 1319هـ ـ ليلة "فتح الرياض" ـ يجد أن عصب السياسة السعودية هو: مواجهة "التحدي"! وقدر كل ملكٍ منذ تلك الليلة أن يواجه تحدياً ما؛ ليجلو تميَّزَه عن سلفه: فالملك "عبدالعزيز" ظل خمسين عاماً لاينتهي من تحدٍّ، إلا ويبدأ معركةً جديدةً مع تحدٍّ جديدٍ مختلفٍ، وكان أولها وأهمها: تحدي التأسيس لدولةٍ قويةٍ، وسط بحرٍ هائج مائج من التقلبات والأحداث الكونية والإقليمية والمحلية، كالحربين العالميتين، وسقوط الخلافة العثمانية، وتشرذم أجزاء الوطن العربي والإسلامي في براثن الاستعمار.. فكيف يؤسس هذه الدولة في بقعةٍ لم تهنأ بالاستقرار في تاريخها منذ سقوط الخلافة الراشدة؛ لتكوينها غير المتماسك نظراً لتنوعها الجغرافي والعرقي، ثم المذهبي والطائفي؟ وبخاصةٍ أن "عبدالعزيز" لم يكن يملك من الوسائل المادية، كالمال والسلاح، أو الإمكانات الاستراتيجية كالموقع الجغرافي، ما يوازي طموحه؛ فقد بدأ من "نجد" التي لم تكن تمتلك المنافذ البحرية، ولا الموارد الطبيعية التي تستأثر بها أقاليم أخرى! لم يكن "عبدالعزيز" يملك إلا "الإنسان"، وبه وحده استطاع إقناع بقية أجزاء الوطن بالالتفاف حوله، والإيمان بمشروعه الوحدوي غير المسبوق ولا الملحوق!

أما "الملك سعود" فحسبه أن يكون خليفةً للرمز العظيم/ "عبدالعزيز" تحدياً يقضُّ مضجع أعظم الملوك والسياسيين! فكان لابد أن يعمل على التنظيم الذي يضمن استمراره على القمة؛ ولهذا تم في عهده إنشاء معظم الوزارات والمصالح، واللوائح والأنظمة المدنية والعسكرية!

واستلم "الفيصل" دفة القيادة والسفينة العالمية تتقاذفها الأمواج بين القوتين العظميين: الاشتراكية السوفياتية، والرأسمالية الأمريكية! وكان من السهل أن يميل لإحداهما عن الأخرى، كما فعل معظم الزعماء العرب، لكنه اتجه اتجاهاً مختلفاً صعباً، نحو تأسيس تكتل ثالثٍ بدعوته ودعمه للتضامن الإسلامي: "لا شرقية ولا غربية/ أعلنها الفيصل: إسلامية"!

وإذا كان الملك "عبدالعزيز" قد واجه تحدي شظف العيش وقلة الموارد، فقد كان قدر الملك "خالد بن عبدالعزيز" أن يواجه العكس تماماً؛ حيث الطفرة النفطية التي تجاوزت كل التوقعات، وقد كان من أبرز الحلول أن تصرف في تأسيس البنى التحتية، وإقامة المشاريع العملاقة؛ للصمود في وجه الانهيارات غير المتوقعة في عهد الملك "فهد بن عبدالعزيز"، الذي تمكن من جعل المملكة رقماً عالمياً صعباً، لا يمكن المزايدة على أمنه واستقراره!

وغداً نفصل: كيف واجه الملك "عبدالله" جميع التحديات السابقة في الخمس السنوات الماضية، من حكمه الرشيد المديد؟