حتى تاريخ هذا اليوم بلغت الديون الأميركية أكثر من (14,3) تريليون دولار، تمثل مستحقات على الحكومة الأميركية لعدد من الدائنين وعلى رأسهم الصين وعدد من الدول وبنوك أميركية وأوروبية وغيرهم من الدائنين، ديون أصبحت جزءاً لا يتجزأ من معادلة التمويل في الاقتصاد الأميركي، وهي معادلة تمويلية مقبولة في ظل نسب معينة، حيث إن التمويل لأي ميزانية سواء كانت شركة أو مؤسسة أو دولة يعتمد على مصادر مختلفة منها سيولة أو أصول مقدمة من الملاك (رأس المال) أو قروض من بنوك أو من من خلال إصدار سندات، والأخير هو ما اعتمدت عليه ـ وبشكل متزايد ـ الولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لتمويل ميزانياتها الحكومية.

بين فترة وأخرى تبرز مشكلة تحديد سقف معين للديون الأميركية بين المجالس التشريعية والحكومة الأميركية، وفي هذه الأيام نعيش أزمة أخرى، ولن تكون الأخيرة، فالبيت الأبيض يطالب برفع سقف الدين مع رفع الضرائب على أصحاب الدخل العالي (الأغنياء) وتخفيض في بعض النفقات الحكومية، بينما يقترح الجمهوريون الذين يسيطرون على مجلس النواب رفع سقف الدين لفترة محدودة (في حدود ستة أشهر) دون رفع الضرائب ومع تخفيضات عالية في النفقات الحكومية وخصوصاً النفقات الخاصة بالرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، وهو اقتراح لن يلقى القبول لا من البيت الأبيض ولا من مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، حيث يرى الأخيران أن المقترح الجمهوري ليس إلا عملية خلط أوراق للانتخابات الرئاسية المزمع إقاماتها 2012 منذ الآن، كما أن فترة رفع السقف وتمديده لفترة محدودة ليس حلاً عملياً وإنما تأجيل للتعامل مع المشكلة الحقيقية وخلط للأوراق.

مشكلة الديون الأميركية ليست مشكلة أميركا فقط إنما هي مشكلة العالم بأجمعه، وأميركا تعي هذه الحقيقة، وتستفيد منها في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية. ما زال الدولار هو العملة السائدة للتعاملات التجارية والمالية بين دول وبنوك العالم، وما زالت السندات الأميركية تلعب دوراً كبيراً في التعاملات الاقتصادية، فهناك عدد كبير من الدول مثل الصين ودول الخليج العربي تستحوذ على نسبة كبيرة من السندات الأميركية من خلال استثمار فوائضها المالية، كما تستخدم السندات الأميركية كضمان (Collateral) لبعض الأدوات المالية، مثل المشتقات المالية وأيضاً تستخدم للحصول على تمويل قصير الأجل، فماذا يفعل العالم لو توقفت أميركا عن دفع ديونها الداخلية والخارجية (فنياً إفلاس أميركا)؟ وهل يوجد نظام بديل أو دولة يمكن لها أن تمارس الدور الذي تقوم به أميركا في الاقتصاد العالمي؟

لا يوجد أدنى شك بأن مشكلة رفع سقف الديون الأميركية سوف يتم قبل نهاية 2 أغسطس إما باتفاق آخر لحظة بين الديمقراطيين والجمهوريين في مجلس الشيوخ مساء يوم الثلاثاء، وإن لم يكن فلا ملاذ من لجوء الرئيس الأميركي إلى ممارسة حقه الدستوري في رفع سقف الدين الأميركي وتجنيب أميركا (والعالم!) الدخول في عالم اللامعلوم (Uncertainty) وأيضاً تجنيب أميركا الحصول على تخفيض في مستواها الائتماني، وهو بحد ذاته كارثة ليس فقط على الاقتصاد الأميركي ولكن أيضاً على اقتصاديات دول أخرى، وكل هذا لا يمثل المشكلة الحقيقية، فالمشكلة الحقيقية تعود إلى عقود سابقة، تمثلت في اعتماد عدد من الدول على الدولار في تعاملاتها ومن خلال ربط عملاتها المحلية بالدولار، وهو ما مثل قوة وأداة يمكن للاقتصاد الأميركي أن يستفيد منها في أي وقت، بينما يمثل هذا الارتباط مخاطرة عالية على اقتصاديات الدول المرتبطة عملاتها بالدولار، كما أن استخدام السندات الأميركية كاستثمار وأساس لتسعير أدوات مالية مماثلة وكضمان، هو ما قامت به عدد من الدول على مدى العقود السابقة، ليبقى السؤال الملح دون جواب ـ على الأقل في الوقت الحالي ـ: كيف يمكن حل هذه المعضلة بأقل الخسائر الممكنة؟ كما أنه ـ وحتى بعد الوصول لحل الشكلة الحالية ـ من المؤكد أن تعود مشكلة الديون الأميركية إلى السطح خلال الأشهر القليلة القادمة، لأن جميع دول العالم تعتمد على أميركا كلاعب اقتصادي أساسي، اقتصاد ما زال الأوحد والمؤثر، فمن حق العالم ومن حق كل دولة أن تكون لها كلمة وموقف فيما يحصل في أميركا حالياً ومستقبلاً، موقف يتمثل في إعادة النظر في سياستها النقدية والاستثمارية، ولعل من أهم الدروس التي يمكن لجميع دول العالم ومنها دول الخليج أن تتعلمها من معضلة الديون الأمريكية ما يلي:

1. إعادة النظر في ربط العملات المحلية بالدولار، والعمل على ربطها بسلة عملات، حتى توصل دول العالم سواء من خلال مجموعة العشرين (G 20) أو المؤسسات المالية الدولية إلى إيجاد عملة عالمية، وهو ما تم بحثه فعلياً في آخر اجتماع للمجموعة في باريس في بداية السنة الحالية على الرغم من اعتراض الصين، وهو اعتراض يبدو أنه مؤقت، فالصين موافقة مبدئياً ولكنها ترى تأجيل المشروع إلى فترة قادمة.

2. إعادة النظر في منهجية وسياسة ووجهات وأنواع الاستثمارات للفوائض المالية للدول، بحيث يتم تنويع الاستثمار (ِAssets Allocation) مع التركيز بشكل أكبر على الأصول المنتجة حول العالم، وخصوصاً في دول مستقرة تاريخياً (Stable Investment Environment) كما تفعل وبشكل ناجح النرويج، وبنسبة أقل على الأدوات المالية الأخرى مثل السندات والأسهم (أقل من 20%).

3. إخضاع الاستمثارات من الفوائض المالية للدول لمعايير الشفافية والإفصاح المعمول بها في البنوك التجارية، مع تكليف خبراء ومتخصصين مستقلين بتقييم ومراجعة أداء هذه الاستثمارات.

بنظرة مستقبلية سوف تتكرر مشكلة الديون الأميركية، والحل الجذري ليس بيد أميركا فقط، ولكنه عمل مشترك بين جميع دول العالم التي ينبغي لها التعاون بما فيه مصلحة للجميع وعلى أساس أن الجميع يكسب، ودون ذلك فإن الجميع سوف يخسر وخصوصاً على المدى الطويل.