• معركة هائلة خاضتها الشعوب بشعرائها ومفكريها وعامتها وكل أطيافها، منذ زمنٍ قديم، هي معركة اللغة ودلالاتها، المعركة بالطبع كانت دوماً في وجه من يريد احتكارها واحتكار معانيها ودلالاتها وتأويلها وطريقة استخدامها، كانت في وجه من يريد حصرها وتحويل نتاجها المعرفي إلى سلطة واحدة مطلقة لا يمكن الاقتراب منها، ولا مناقشتها. في تاريخنا نجد أنه منذ زمن أول نزاع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم فتنة علي ومعاوية، ثم وثم.. ثم النزاع الدموي على "المجاز" بين الأفراد والطوائف والدول.. وحتى اليوم وكل هؤلاء ما زالوا يكفرون بعضهم البعض، في ذلك الزمن القديم كان الشاعر هو المتهم الأول، قبل الناقد والمفكر، وحتى قبل رجل الدين المعارض، أو الطائفة المخالفة، هو المتهم الأول بخلخلة سلطات التأويل من بين يدي كل من يلبسونه لباس القداسة حتى لا يقترب منه أحد.

• في زمننا هذا هل انتهت هذه المعركة؟ هل حسمت؟ أم إنها باقية ومن الذي حلّ محلّ الشاعر أو المفكر في هذا العصر؟ كل هذا كلام قديم وبائت، تناوله نقاد ومفكرون بلا عدد، لكننا وللأسف ما زلنا بحاجة لمزيد من التفكير فيه، لأننا في هذه الأمة لم نستطع حتى اليوم فتح التأويل على آفاقه لننعم بالتعدد وقبول بعضنا، لننجز إبداعاً وخلقاً فكرياً وأدبياً يصعد بوعي المجتمعات العربية والإسلامية لما تستحقه من الحضارة إزاء ما تملكه من مقومات، نعم لم نتجاوزه بالرغم من أنه صار من فضول الجدل، فما زالت إيران مثلاً تقوم على تأويل واحد للدين، وكيانات أخرى قائمة على تأويل واحد للمدنية كأغلب البلدان العربية التي تدعي الديموقراطية بينما تقوم على الحزب الواحد/ الفكرة الواحدة/ التأويل الواحد.. الحزب الذي يقتل شعبه لمجرد الخروج عن سلطته وسلطة قواميسه وتأويلها واستبدادها!.

http://www.youtube.com/watch?v=zcmmFQGxMNU&feature=BFa&list=PLBCBD97916092E5BE&index=5

• ما لم تفهمه هذه الكيانات بعد أن لغةً جديدة بآلتها المعرفية تخلقت أو تتخلق بين جيل الشباب، لا يكادون يفهمونها ولا يعرفون عنها شيئاً، وهكذا جاءتهم التقنية والشاشات من حيث لا يحتسبون وقضت وستقضي على أصنام طغيانهم. بكل تأكيد فإن الأنظمة في (تونس، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا.. إلخ بكل رجالاتها وعسكرها وفظاعتها) لم يعرفوا عن لغة الشباب هذه شيئاً، وربما لا يعرفون حتى اليوم. الأمر لم يكن مجرد فيسبوك أو تويتر، لقد كان تخلّقاً للغة ولمنظومة معرفية كاملة، تحمل بداخلها، ليس اللغة الجديدة فحسب، بل وتحمل وعياً وسلوكاً وطرائق تفكير.. لا يفهمونها، فضلاً عن أن ينتبهوا لها. أوباما في 2008 فهمها جيداً، ووصل بها إلى رئاسة أمريكا. حسناً أنصفوا هذه الأجيال.. ولا تستخفوا بها!.