مهنة الطب من أفضل ما يتطلع إليه أصحاب الهمم العالية، فهي مهنة ذات قيمة إنسانية لها تقديرها واحترامها, لأنها تشفينا من الأوجاع والأمراض (بإذن الله)، وتجعلنا ننعم بلذة الحياة للوصول إلى أعلى درجات الكمال الإنساني، ولهذا أصبح الطبيب له قدر كبير من الاحترام لأن مهنته متعلقة بالصحة والحياة, ولكننا بتنا نسمع بين الفينة والأخرى حوادث اعتداء على الأطباء، وقد وصلت إلى حد الظاهرة في مجتمعاتنا العربية من المحيط إلى الخليج! والأدهى والأمر أنه في بعض بلداننا العربية هناك من يقول إن ضرب الطبيب سببه أنه (يستاهل الضرب)! ما هذه المفارقة ؟ ثم لماذا تم استبدال المثل المصري الذي طالما أتحفنا به "إسماعيل يس" في أفلامه "ضرب الحبيب زي أكل الزبيب" إلى "ضرب الطبيب زي أكل الزبيب"؟ بالطبع لا يوجد أحد عاقل يوافق على هكذا مثل، فالجميع يستنكر هذه التصرفات المشينة بل تجب معاقبة المعتدي ومحاسبته، ولكنني أتصور أنه إذا أردنا أن نشخص أي مشكلة تبدو ظاهرة على السطح بشكل دقيق فلا بد من معرفة أسبابها الحقيقية وجذورها الأصلية ليكون السؤال: هل يقع الذنب دائما على المواطن الذي يقوم بهذا الفعل تجاه الطبيب؟ إنني أعتقد أنه في واقعنا العربي نسبة الخطأ الأكبر لا تعود على المريض أو المراجع أو المرافقين, وإنما تعود على عاتق الطبيب أو المستشفى!
إن معظم الاعتداءات على الأطباء تجري في قسم الطوارئ الذي تنخفض فيه مستويات العناية حيث يستغرق المريض وقتا طويلا في انتظار كشف الطبيب المناوب الوحيد والمسؤول عن كل المراجعين، فما يكون منه سوى أن يضع يده على جبهة المريض، وبدون قياس حرارته أحياناً كما يفعل العامة ويكتب له "الروشيتة"، لتظهر بعد يوم أو يومين مضاعفات وتدهور في حالة المريض نتيجة عدم التشخيص الصحيح، وكذلك نتيجة عدم التدخل السريع من الأطباء أو الاستشاريين في حالات أخرى، فضلاً عن المواعيد البعيدة في مراجعة العيادات، وفي ظل هذا الوضع السيئ تأتي العيادات الخاصة لترفع أسعار الكشف بطريقة صارخة تصل إلى حد الاستغلال بهدف جني المال والأرباح من ظهر المواطن، فما يكون من المريض أو مرافقيه إلا رمي جام غضبهم بضرب الطبيب أو الممرض! مع العلم أن هذه الظاهرة تكثر حتى في أفضل الدول العربية في مجال الطب مثل "الأردن"، وقس على ذلك غيرها من الدول، ناهيك عن قصة الأخطاء الطبية التي باتت تدق ناقوس الخطر، فأعداد الوفيات نتيجة الأخطاء الطبية في أميركا 225 ألفا في السنة من بين 309 ملايين أميركي، وفي الدول العربية مليون وربع إنسان من 350 مليونا، ورئيس الهيئة العربية العليا للرعاية الصحية يقول: "غالباً أن العاهات والأمراض الناجمة من الأخطاء الطبية هي ضعف الوفيات"، أما عن أثر الرعاية الصحية في تقدم الأعمار فقد وصل معدل الأعمار في أميركا وفرنسا إلى 90 سنة، أما في الدول العربية فقد وصل إلى 70 سنة بعد ما كان في الماضي القريب 65 سنة.
إنّ حقوق المريض في الحصول على العناية الطبية في مجتمعاتنا العربية مازالت تواجه كثيراً من المعاناة مع أنها ثقافة عرفت من عهد "حمورابي" قبل سبعة آلاف سنة وقانون "من طبب شخصاً ومات ولم يشهد له بالطب تقطع يده"، وكذلك في العصر العثماني، مع العلم أن ديننا الإسلامي يأمرنا بها بالدرجة الأولى، نعم هناك تحسن بطيء يشهده القطاع الصحي في السنوات الأخيرة ولكن ونحن في عصر العولمة الطبي مازالت حقوق الرعاية الصحية حبراً على ورق، بدليل التصنيف الأخير في تقارير التنمية البشرية، وخصوصاً أن الحقوق الصحية باتت معياراً عالمياً لتقدم الدول واستقرارها، ليكون السؤال: متى تخف حالة ضرب الأطباء ويرجع المثل المصري إلى سابق عهده؟