تبتسم كشمسٍ دائمة الإشراق.. وتبتسم حتّى يظن الناظر إليها أن وجهها لا يجيد تعبيراً غير الابتسامة.. وتبتسمُ حتى تقدح في الأذهان سؤالاً عن كيفية اجتماع الابتسامة الدائمة، مع الجدة والصرامة اللتين تستلزمهما الحياة العلمية الجادة؟

تبتسم لأن تلك طبيعتها، ولأن الابتسامة رفيقتها المستديمة، ولما كانت كذلك، فإنها لا تتصنع وجها جادّا، ولا تحاول اقتناء قناع متجهّم، وتلك حالٌ يُعرفُ بها البدو الواضحون الذين لا يتزيّدون، ولا يتقمّصون، وإنّما يستلذون الصفاءَ الفطري الذي يسمُ الصحراء الواضحة.

تبتسم لأنها لا تتصنع، تقول: (ما عندي شيء أخجل أو أخاف منه، لا أحب أن أتصنع، لا أحب أن أكون إنسانة وليدة اللحظة بحيث أن أظهر أمام رجل الدين بطريقة، وأمام رجل الدولة بأخرى، وأمام رجل الصحافة بطريقة ثالثة، من حقك أن تقبلني أو ترفضني كلي، أما أن أغير نفسي حتى تتقبلني فهذا ليس مبدئي).

البدوية الآتية من حي طوير بسكاكا، تعلّمت أن التفاضل بالمروءات، لا بالأموال، تقول عن مدينتها الصغيرة المستكنّة في أقصى شمال القلب: (الحياة في المدن الصغيرة بسيطة، ليست طبقية، الغني يحتوي الفقير، هناك كرم، هناك طيبة، هذا ما نشأت عليه، تعلمنا ونحن صغار أن التفاضل بنبل الأخلاق، كان أبي يقول: "فلان أفضل من فلان، فبيته مفتوح"، ما كان يقول فلان أغنى من فلان)، لكنها فوجئت حين جاءت للدراسة في الرياض بأن أحدا لا يعرفُها، بعد أن كان "الكل" في سكاكا يعرف "الكل".

كانت خولة الكريع تقرأ في الثانوية عن "مدام كوري"، العالمة التي حصلت على نوبل مرتين؛ مرة في الفيزياء، وأخرى في الكيمياء. زميلاتها كنّ يقطعن صورتها ويكتبن عليها: (خولة التي لن تتزوج أبدا)، لكنها تزوجت ولما تبلغ السابعة عشرة، وهنا كانت مفارقتان؛ إحداهما: أنها تزوجت قبلهن، والأخرى: أنها لم تجعل من الزواج نهاية الطموح، ولم تخضع لـ "المرة ما لها إلا بيتها وعيالها"!

كادت أن تذهبَ إلى الصحافة، لكنّ أباها قال لها: "ما ينفع"، فآمنت بأن الاتجاه إلى الصحافة "ما ينفع". واختارت الطبّ، هاربة من الجراحة إلى أبحاث السرطان، لأنها ـ بكل بساطة ـ كانت تُفجع من الجثث التي تُجرى عليها تجارب التشريح، فقد كان يفجعها أن ترى الجثة لأنها لإنسان كان يملأ الأرض حركة وحياة.

كان هروبها إلى أبحاث السرطان، باباً إلى خولة الكريع الأنموذج، لأنها اختارت ما يتلاءم مع طبيعتها بالصدق كلّه، حتى كان لها النجاح كلّه، ولذا حُق لَها أنْ تباهيَ بتقدير الملك عبدالله بن عبدالعزيز, ويا له من تقدير لها ولنا ولكلّ المتجاوزين إبداعاً وإصراراً ونجاحاً، ولها أن تبتسم ابتسامتها التي لا تفارقها، كما لنا أن نباهيَ بها عالمةً متميّزةً، وباحثةً لأجلنا، تمنحُ المنتمين شعورَ الفخرِ بإنسانِ هذه الأرض..

تلك الخولة ـ كأخرياتٍ رائعات من الجادّات ـ اللائي تركن خلفَهنّ ريبَةَ بعضِنا.. صارت كبيرة علماء أبحاث السرطان في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض.

لها أنْ تُباهيَ بجائزة هارفارد للتميّز العلميّ التي فاقت بها أكثر من ثلاثمائةِ طبيبٍ وطبيبةٍ من كلّ الأرض.. ولنا أن نسعد بها وهي تيمّمُ وجهها شطر دائنا نحن، في فعلٍ تخصّصيٍّ يأخذُ البحثَ إلى الدقّة الكبرى، من خلال قيادتها لفريقٍ علميٍّ يتبنى برنامجاً بحثياً فريداً للتعرف على البصمة الوراثية لدى مرضى السرطان السعوديين, فكانت الثّمرةُ نتائجَ علميةً متميّزةً تمّ نشرُها في مجلاتٍ علميةٍ عالمية.

لا تقفُ عند البحثِ العلميّ, وإنّما توزّعُ ذاتَها المبدعةَ في أفعالٍ كثيرة, وتستحثُّ هممهنّ كي يتجاوزنَ مناطقَ الانكفاء من خلال محاضراتها العامّة وإسهامها الفاعل في نشر ثقافة العالِم المتفاعل مع مجتمعه.