جارتنا "نبية" كانت تمنحنا بعض ساعة من السعادة قبل مغارب رمضان، حين تستفزها أمي باتهامات تختلقها اختلاقا يرتفع صوتها بالخصام لتنفي التهم وتعيدها كاملة لأمي التي تطهر الأصيل بضحكاتها، وتنصرف جارتنا قبيل أذان المغرب لنلتم نحن على مائدة الإفطار، أبي وأمي وإخوتي وأخواتي وأبناؤنا وبناتنا.
من سنين لم يعد أبي يفطر في المسجد لا هو ولا أعمامي، منهم من أقعده المرض ومنهم من ينتظر قدره في المستشفى ومنهم من صار يوفر خطواته للأيام المقبلة. اليوم في مسجد حينا لا يفطر إلا رجال يمنيون لا يجدون مأوى سواه، لكن نسوة الحي لم يخلفن عادتهن في إرسال ما تيسر من طعام إلى المسجد ليتناوله من شاء.
جدتنا "صالحة" من سنوات لم تعد قادرة على زيارتنا، مارست التجارة لتستغني عن الناس حتى أقعدها المرض، ليس لها عملاء سوانا، وتجارتها لا تتعدى حقيبة صغيرة مشحونة بألعاب وحلويات، هذه الحقيبة كانت للأطفال بمثابة "كوز مركزي" كما قالت هي حين بذلت كل طاقتها في نطق مصطلح "سوق مركزي" فأجادت مفردة "مركزي" الجديدة في قاموسها البسيط لكنها أضاعت المفردة القديمة التي تعرفها "سوق" فصارت "كوز". أكتب هذه السطور وأنا عائد من مجلس العزاء فيها فقد رحلت بهدوء وصفاء كما عاشت.
ستزعجنا أصوات المايكروفونات كما كل رمضان دون رادع من نظام، لكنها بضوضائها لن تبعث فينا ذرة من شجون الموت والحياة والهدى كما تبعثها تلك الوجوه البيض التي تتفرق بنا في منعطفات الأيام.
البارحة قبل المغرب لم تزرنا جارتنا العجوز "نبية" كالعادة. لا يفصل بين بيتنا وبيتها سوى 40 مترا خالية من العمران، زرتها بعد العشاء فوجدتها على سريرها وحيدة لا يؤنسها سوى صوت التلفزيون ينقل صلاة التراويح من مكة، سألتها عن سبب تخلفها عن زيارتنا الرمضانية فقالت بابتسامة رضا "بيتكن ما عاد اعلمه.. أخاف أخرج وأضيع... ابقى تعال لي وأنا أروح وأتهرج مع والدتك وترجعني حتى بيتي" !
لم تعد تعرف طريق بيتنا!
حاضر .. أجي لك وأرجعك.