قد أتفهم جيداً صلاحية بعض القضايا للتركيز عليها كتابة في رمضان، ولكن الذي لا أفهمه ولا أستوعبه أن يظن البعض العكس ليرى أن لبعض القضايا خصوصية فلا تكتب في رمضان. هذا يعني أن في بعض القضايا وفي بعض الكتابة إثماً لا يتناسب مع الشهر الفضيل، وفي أقل الأحوال فمن المستحسن تأجيلها حتى نشرب الماء من هلال شوال. الكتابة ليست – ملهى – ولا – حانة – في شارع عاصمة لدولة إسلامية يقتضي العرف أن تغلق في رمضان وكأنها حلال من قبل أو بعد.

أعرف أن سخونة بعض القضايا في رمضان تتناقص تبعاً لبرودة فعل فاعل القضية نفسها في الشهر الكريم. الذي يجرؤ على السرقة من المال العام في صفر سيكف يده – بياتاً – في الشهر الكريم. الذي يقبل الرشوة من شركة التوريد في رجب سيغلق جواله في رمضان عن الاتصال بالبقية من فريق الرشوة الأولمبي، وربما زاد على ذلك بالذهاب عمرة في أول الشهر وأخرى في آخره. الذي يوقع على استلام المشروع الرديء في جمادى الثانية – لحاجة – في نفس يعقوب لن يأخذ أقلامه معه إلى المكتب الحكومي تحسباً كي لا تجره النفس الأمارة بالسوء إلى استكمال ما بقي من تواقيع. في رمضان، تبدو الطاولة نظيفة من فوق ومن تحت، وأكثر الذين يخشون هذه النفس الأمارة بالسوء يأخذون رمضان إجازة، لا خشية من تبعات الصيام نفسه على هذه النفس، ولكن حتى يوهموا ضمائرهم بأنهم أيضاً صاموا عن الصغائر والكبائر. هم يظنون أن – الحرام – يختلف في رمضان عن غرة صفر أو منتصف ذي القعدة. يسرق السارق أحد عشر شهراً ثم يتصدق من سرقاته قبيل إفطار كل يوم من رمضان ويظن أنه يهيل التراب على الخطايا ويحسبها بالحساب الرياضي: كل صدقة بعشر أمثالها. والخلاصة أنه لا يوجد شيء لا يمكن الكتابة عنه في رمضان. الفارق أن مؤشر التجاوزات ينخفض في الشهر الكريم بدرجة حادة. ألا تلاحظ مثلاً أننا نادراً ما نوقع المشاريع في رمضان، ونادراً جداً ما نستقبل مندوبي المبيعات، ونادراً أيضاً ما نطلب أوراق الاستلام والتسليم؟ الفارق أن المجرمين يخسرون شهراً واحداً من حسابات السنة.