وعلى حواف قبرها تتراقص البشائر حتى لتكاد الأمنية التي لا تقال: ماذا لو كنت بديلاً لها في قبرها شرط اكتمال كل الظروف. نصف الحياة بأسرها وهي تصارع المرض العضال فكم هي كل الحياة؟ سبع سنين. نصفها وهي تذرع الأرض مهاجرة إلى إبرة أو مشرط.

أولى البشائر أن قبرها كان مبتلاً بالماء. كانوا يهيلون التراب وقد تشبع وما زال الغمام رذاذاً نسابقه كي لا يقطع علينا سنة استعجال الرحيل. كنا على حواف القبر فيما الإمام يقرأ للتراويح من المسجد الكبير على ركن الشارع المطل على المقبرة. كانت مجرد بضعة عظام في كفن أبيض شفاف. سبع سنين. لم يمهل الزمن هذه العظام أن تكتسي لحماً مثلما كان الزمن نفسه كريماً على هذه العظام التي لم تتحمل بعد تراكم الآثام والخطايا... آه ماذا لو كانت الحياة كلها سبع سنين. ماذا لو أننا اختزلنا كل مسيرة الحياة نحو الآثام والذنوب في (سبع) حياتنا الطويلة حد الإسفاف والملل، وماذا لو أن الحياة هي كل العمر الطفولي الساذج البريء؟ وكل مهاجر إلى أعماق هذه الحياة، إنما هو مهاجر إلى (كذبة العقل). وكلما ازداد الإنسان عمراً وعقلاً زادت رحلته إلى عالم الآثام والفتن والخطوب. لم نقبر في حياتنا طفلاً واحداً ثم استغفرنا لخطاياه.

طفلة تغادر هذه الحياة. نصف حياتها وهي تحلم أن تستطيع عظامها حمل دمية أو لعبة. نخرج من المقبرة والإمام يقرأ تراتيل التهجد. يطلب الصفح والعفو والغفران للكبار. نحن نتشبث بالحياة لأن الحياة فطرة الإنسان. نحن لا نعلم أن الحياة مزيد من الآثام والذنوب. نخرج من المقبرة وكأننا في نزهة عابرة. لم يفكر أحد متى يعود لهذه المقبرة محمولاً على الأكتاف. نحن لا نحمل على الأكتاف إلا الخطايا. على بوابة المقبرة: سبعيني يمد يديه. متوسلاً بطفلة أخرى لا تتجاوز السنوات السبع. ربما.. كانت أمامها سبعون سنة وهي تمد يديها... عابرة سبيل... إلى أيدي المحسنين. نغسل ذنوبنا بين يديها بوهم الصدقة.