السلوك الشخصي ليس من الموضوعات الصالحة للمعالجة في مقال ينشر في صحيفة عامة لأنه أمر خاص ولا يهم القارئ.. وتزداد حساسية الخاص حين يتعلق بالدين أو التدين لأن صاحبه مظنة التباهي بالعبادة والتظاهر بمخافة الله وهذا يدخله في دائرة المرائين، إن لم يدفع به إلى سوءة النفاق التي تمحق العمل وتهوي بصاحبها إلى الدرك الأسفل من النار.

لكن إذا كانت التجربة الشخصية مدخلاً لمناقشة قضية عامة أوكانت مبرراً للتعليق على موقف خاص ذي ملابسات عامة فإن الأمر يبدو موضع اختلاف (في نظري على الأقل). وهذا ما اعتبرته مسوغاً للحديث عن موقف خاص حدث لي ليلة الخميس الماضي.. والموضوع باختصار أنني كنت في الأسبوع الماضي أتجنب الجلوس أمام المكيف، حتى لا تزداد وطأة موجة الزكام التي تجتاحني، مما جعلني أضع الشماغ على رأسي في المسجد - مع أنني كنت معتاداً على الصلاة حاسر الرأس - حتى أتقي به هواء المكيفات التي يحرص الجميع على زيادتها في هذه الأيام الحارة. ولأن المسجد يقع قريباً من البيت كنت أضع الشماغ على رأسي دون عقال، على غير عادتي، ولم أهتم بالفرق بين لبس العقال وعدمه، وما صلة ذلك بنية الذهاب إلى المسجد أو أداء فريضة الصلاة مع الجماعة؟ لكن المفاجأة أن ابني مصعب الذي يدرس في جامعة البترول في الدمام وزارنا نهاية الأسبوع- ولم يسبق أن رآني أرتدي شماغاً أو غترة بدون عقال- شكل له منظري صورة دفعته للسؤال: هل التزمت يا أبي؟ وهو سؤال لم يفكر في مدلولاته وظلاله وما يمكن أن يوحي به من أن والده لم يكن "ملتزماً".. لم أغضب، ولم أعنف الشاب، بل ضحكت وقلت له: هل تعرفني "صائعاً" يا ابني؟ فتدخلت أخته بتعليق يناسب الموقف وضحكنا جميعاً حين قال: (والله يا بابا ما قصدت شيء سيئ.. بس أول مرة أشوفك تلبس غترة أو شماغ من غير عقال).

انتهى الموقف بملابساته اللحظية المرحة، لكن مثيراته الذهنية وتداعيات ما اختزنته الذاكرة وبراءة السؤال المفاجئة جعلتني أسال نفسي: يا ترى لماذا ربط الابن بين الالتزام الديني وبين شكل الشماغ؟ لابد أن تكون "الصورة الذهنية" لمعنى التدين منطبعة في "لاوعيه" بهذا الشكل الذي أوحى له بالسؤال. ثم توالت الأسئلة حتى كادت تفسد علي ما خرجت من أجله..

لا أريد أن يفهم من هذا الكلام النكران على من يختار سمات عرف بها بعض أهل الفضل. ليس هذا هو الباعث أو الهدف من هذه السطور، بل الغرض هو البحث عن "العلة" التي جعلت الناشئة تربط بين "الشكل والدين" دون أن يكون في وعيها الربط بين "الدين والقيم الفاضلة" كالصدق والأمانة، وحسن الظن والتعامل الحسن مع الآخرين، وبر الوالدين والوفاء بالعهود وحسن المعاشرة. والتساؤل: لماذا انطبع في "لاوعي" الناس أن هناك "شكلاً" معيناً هو الذي يوحي بالالتزام الديني؟ وهل هذا الربط "الشكلي" له علاقة بما نشهده من "ازدواجية" في حياة الكثيرين حين نسمع ونرى كثرة الغش والكذب، وأكل المال العام، وتضييع حقوق الناس والاستهانة بالعدالة، وشيوع النفاق وتلبيسه ثياب المجاملة والتحضر، وتربية الناشئة على المداهنة والتذلل من أجل الكسب؟ وهل الانشغال بالمظاهر صرف الناس عن التدين الحقيقي الذي يترجم في التعاملات السائدة في حياة المجتمع؟

القضية ليست بالبساطة التي يزعم مقال في كلمات محدودة القدرة على معالجتها، فهي مسألة متشعبة وعناصرها متداخلة وأسبابها متراكمة، يدخل فيها الوعي بقيم الدين وأسلوب تلقيه، وآثار مناهج التربية على سلوك الناشئة، ودور وسائل الإعلام في كشف الزيف وتطبيق الأنظمة على أرض الواقع، وإنزالها على حياة الناس بما يحقق مصالحهم ويحفظ حقوقهم. وهذا "التعقيد" يستدعي عملاً جماعياً "يفحص" كل العلل المسببة لمرض نعاني منه اسمه "الازدواجية" أي المسافة بين ما نقوله وما نفعله في العموم، وبالأخص الفرق بين ما نتعلمه من الدين وبين تأثير ذلك على سلامة سلوكنا.

وإذا حاولنا أن نجد ما يساعد على "تفسير" سطوة الشكل على فهم الكثيرين للدين يمكن القول: إن تدافع القوى المختلفة المؤثرة في التطور الذي يمر به مجتمعنا و "تنازعها" على توجيه مسار هذا التطور دفع بالبعض إلى اعتبار المظاهر "شعارات" تعوض قصوره في بناء برامج تتصل بحياة الناس المعاشة، ووسيلة تقلل من عدم نجاحه في تأسيس "التدين الحق" الذي يهذب النفوس، ويربيها على ما يصلح شأن المجتمع دون قلق أوتوتر أوتنافر أواضطراب. وقد يكون هذا البعض قصد ترسيخ الاهتمام بالمظهر حتى يكون "شارات" تميزه عن غيره . ومن هنا يمكن المجازفة بالقول إن ساحتنا بغالبية تياراتها مليئة "بالخطابات" الشكلية، التي فشلت في تأسيس قيم تحكم السلوك العام، يتجلى ذلك في التناقض والتنافر بين ما نقول وما نفعل.

فهل يكون في هذا تفسير؟ لماذا سألني ابني هل التزمت عندما رآني ألبس شماغاً دون عقال؟ وهل قال له أحد أن الغترة بدون العقال التزام بالدين وتعاليمه وقيمه؟ وأين قيل له هذا الكلام؟ وفي أي سياق تلقى هذا المفهوم حتى ترسخ في "لاوعيه"؟ لماذا يشعر بعض شبابنا أن آباءهم المصلين، المزكين،المتصدقين، البارين بأهلهم، المواظبين على الصلة بالقرآن، الصادقين في تعاملهم مع الآخرين، الحريصين على أداء مسؤولياتهم، العفيفين عن أكل المال الحرام غير ملتزمين إذا لم يكن لهم زي معين؟ ولماذ ترسخ في "لا وعيهم" أن الجار صاحب الشكل المميز هو الملتزم، مع أنهم يعرفون قسوته في تعامله مع أهل بيته وغلظته مع جيرانه وتهامس معارفه بالتحذير من مخالطته مالياً لأنه لا يفي بما اقترض ولا يرد ما استدان؟

أسئلة تؤرق الكثيرين وإن صمتوا وابتلعوا التصريح بها. فهل نتكاشف جميعاً ونعمل لتنقية خطاباتنا مما "يؤذينا" ونضع أيدينا على ما به تستقيم الحياة في ظلال الدين الحق، الذي يزكي الإنسان ويحرره من حبائل سوء الفهم؟