دعت باحثة اجتماعية سعودية بنات جنسها إلى "بناء هويتهنّ الخاصة وطنياً وإسلامياً على أسس طبيعية وعدم الانقياد إلى الشكل المبتسر لهوية المرأة في المجتمع المحلي". وقدمت الباحثة فرح الفرج، في محاضرة "ما هي الهوية؟" التي نظمها مهرجان الدوخلة السادس مساء أمس، توصيفاً موضوعياً لأزمة الهوية ومشكلتها في المجتمع السعودي وبين السيدات السعوديات على نحو خاص.

وانتقدت الفرج مفهوم "الهوية" المتداول محلياً، وأرجعت كثيراً من القضايا الاجتماعية الشائكة إلى تشويه مفهوم الهوية بين الناس، ونشر ثقافة تؤدّي في النهاية إلى فُروض اجتماعية تتناقض والفروض الدينية، وتُسيء إلى جوهر الحقائق التي كفلها الإسلام للجميع، بصرف النظر عن أجناسهم.


صورة الظروف

وقالت إن "الهوية هي صورة تتشكل نتيجة لظروف تحيط بنا كالبيئة والأسرة التي نتربى فيها، والجزء الأكبر من هوياتنا تتشكل نتيجة للصورة التي نرسمها ونعتقدها عن أنفسنا"، موضحة أن البحوث العلمية تؤكد أن "20% من الهوية يبقى موروثاً في حين أن 80% منها يتشكل بفعل الاكتساب". وأضافت أن ذلك "مما يُساعد على فرض هيمنة المحيط الاجتماعي للفرد وتضييق فرص تكوين الهوية الخاصة به وتضييق هامش حريته وحركته"، محذرة من أن "السلطة الاجتماعية بمختلف مفرداتها تضغط باتجاه بناء هوية مغلوطة للمجتمع نفسه".

وقالت إن آلية بناء الهوية في المجتمع تتكون من ثلاث زاويا أساسية هي "الأسرة والمجتمع والقيم"، مضيفة أن هذين الوسطين التربويين "هما المسؤولان عن بناء صورتنا عن أنفسنا".

واستشهدت الفرج بنافذة العالم الاجتماعي جوهاري التي تقسم هوية الإنسان إلى أربع مناطق "الأولى مفتوحة يعرفها الفرد والآخرون، والثانية عمياء يعرفها الآخرون ولا يعرفها الفرد عن نفسه، والثالثة منطقة القناع التي يعرفها الفرد ولا يعرفها الآخرون، وأخيراً المنطقة المجهولة التي لا يعرفها الفرد عن نفسه ولا يعرفها الآخرون عنه".

لا نحترم هويتنا

وحذرت من الأسباب التي تشوه الهوية وتقلل من احترامنا لها، وهي "الأفكار والمعتقدات الخاطئة التي تهيمن على التفكير وتفرض عليه قيماً غير منطقية وغير صحيحة، ثم هناك المقارنة التي تملي علينا وضع ذاتنا أمام آخرين وبالتالي نشعر بأننا أقل، ثم هناك الهروب إضافة إلى التعالي على الهوية ذاتها".

وحول الوسائل العملية والمنطقية لبناء الهوية الخاصة بكل فرد، تدعو الباحثة الفرج إلى اتباع خطوات أساسية، في مقدمتها "تحديد السمات التي يحب على الفرد أن يتحلى بها لتشكيل هويته، وتحري التوافق والانسجام الداخلي، واختبار الذات للتأكد من امتلاك هذه السمات، وبعدها تأتي خطوة وضع السمة في القالب أو الإطار الإيجابي، وبعدها تأتي مرحلتا التطوير والبناء".

ونبهت الفرج إلى مخاطر التشتّت التي يقع فيها الأفراد والمجتمعات، موضحة أن كثيراً من الطاقات والجهود الذاتية يتمّ هدرها بسبب تشتت الهوية الذاتية للفرد، وعدم فهمه لوسائل التعبير الإيجابية والعملية عن طاقاته.

وضربت الفرج أنشطة التطوع كمثال على بعثرة الجهود، موضحة أن معرفة الإنسان بالمواقع التي يمكن أن يبدع فيها تساعده على عطاء المجتمع بشكل أفضل مما لو كان متعدد الأنشطة والتوجهات.

وربطت الفرج هذه المشكلة بمشكلة الهوية، قائلة إن ذلك ينتج عنه استغلال أكثر للمرأة بوصفها محكومة بقيم الأسرة وبقيم المجتمع، وبالتالي فإن طاقاتها توظف في اتجاهات متعددة من دون أن تركز هي على ما تتسم به من هوية خاصة بها. وقالت إن أساس الهوية ينطلق طبيعياً من المباديء المحاطة بمنظومة من القيم.