أحمل الورقة الأولى من ـ معاملتي ـ لليوم الحادي عشر، وحتى اللحظة تمكنت بنجاح من القبض على التوقيع الثالث عشر، ومن الغرابة بمكان أنني اليوم تعلمت للمرة الأولى الفارق بين التوقيع والتأشيرة. الأخيرة ـ للصغار ـ من الموظفين ريثما يتعلمون في المستقبل مسؤولية التوقيع/ ويذكر لي ـ أحمد ـ على سبيل المزاح أنه اليوم في العام الحادي والعشرين من الوظيفة وما زال موظف ـ تأشيرة ـ يركن أحرف اسمه على يسار الورقة جوار توقيع رئيس القسم. يتحدث عن ـ حميدان ـ الذي اختزل مسيرة التوقيع إلى سدة القرار في ظرف أربع سنوات وتسعة أشهر. وعلى عكس ما قد تظنون من نفاذي ونفوذي فجل أصحاب السعادة من أصحاب التواقيع يتلذذون بركضي بين ردهات المكاتب مثلما يتلذذون بتدريس محاضرة في النظام والقانون. وبين كل بضعة تواقيع ـ يجبرونني إلى ـ تحويلة ـ الذهاب الاضطراري لسعادة المدير الأعلى كي يكسر لي بالشفاعة ـ كوبري ـ الصلاحية الذي لا ملجأ منه إلا إليه. ومثلما يتلذذون بركضي كل هذه المشاوير مثلما أتلذذ بهذه العدمية التي تسرق من وقتي سويعات اليوم الطويل. أحدهم يقول (لم يعد له من ظهر بهذا البلد) مثلما يقول الآخر (ادفعوه لسعادة المدير العام) ليشتري سكوته بكسرة صلاحية لا تضر ولا تنفع.

ولم أك بارداً في حياتي قدر برودي وأنا أقطف لذة الانتصار بعيد كل توقيع. حتى ـ التأشيرة ـ تتحول إلى ضربة حرة غير مباشرة على مشارف خط الستة. وآخر غزواتي إلى ـ المجمع الحكومي ـ كانت قبل بضع سنين وبالضبط لنفس المعاملة بالكربون. ويومها كنت ـ ساخناً ـ فأنهيت أوراقي في ظرف ساعتين. صاحب التأشيرة الصغيرة يومها تكفل بردم التحويلة وكسر الصلاحية وجبر ـ كوبري ـ الذهاب إلى سعادة المدير العام. وبعد العيد، سأعيد رسم معاملتي آنفة الذكر لأبرهن لنفسي أنني أستطيع حتى اختزال الساعتين.

ما زلت ساخناً حتى وإن كنت (بلا ظهر).