بالنسبة لي لا تبدو ( الخامسة ) مجرد ذكرى للبيعة، إنها العاشرة بعد المئة من ذاكرة البيعة الأولى عندما صاح ( ذاكر) الرياض صبح الخامس من شوال من عام 1319: الملك لله ثم لعبدالعزيز. لا توجد جملة في كل أدبيات التاريخ المعاصر، غيرت معالم الإنسان والمكان مثلما كان لهذه الجملة. لا أعلم ذلك الصباح بماذا كان جدي الثاني يحلم أو يأمل. كل ما أعرفه اليوم أن هؤلاء الأجداد كانوا شتاتاً في فيافي الصحراء أو رؤوس الجبال مثل من يواجه كل طبائع الحياة ولكن بلا مظلة. كيف سنكون لولا الإرادة الإلهية أن يكون "الملك لله ثم لعبدالعزيز" ، كيف كان عبدالعزيز نعمة من الله ورسالة منه. ومضى ( الأب المؤسس) يخترق بوصلة الأرض. كان عبدالعزيز يريد أن يفتح ( ثقباً ) في باب صغير، يدخل منه إصبعيه ليفتح قصر أهله في ( مربع ) الرياض فكيف انتهى ثقب الباب: دولة بمليوني كيلومتر مربع. قبلة لمليار مسلم. مسافة من الماء إلى الماء بساعة ونصف من الطائرة. مسافة من شمال الاستواء إلى شمال مدار السرطان بساعتين ونصف من الطيران: بعمق ثلاثة قرون، وجهاد ثلاثة عقود حتى كان هذا الاسم الضخم: ملك ودولة. دولة في قلب عالم ( العشرين ) ورأس الاقتصاد العولمي وأبرز محركاته. دولة تعاقبت عليها قيادات الملوك وكل ملك يأخذ من سابقه أبرز ما يمكن لأحلام الإنسان المواطن من ملك: أن نبني وألا ندخل سذاجات الحروب. أن تشعر بالأمن مع ملك لا يأخذ شعبه إلى رقعة الشطرنج حيث تطيح كل الرؤوس، ربما، ليبقى الملك. ملك يقول عن شعبه: هؤلاء عيوني ولن أسمح لأحد أن يختطف البصر. ملك يبدأ مرسومه الأول بالعفو عن محاولة اغتيال: تلك هي الشيمة العربية التي لم يشر بها ملك فحسب، بل كان مثالاً وقدوة لشعب. بكيت الملوك منذ فيصل إلى فهد. تلك كانت بالنسبة لي رحلة الوعي مع حياة الملوك. وحين نكتب عن بيعة الملوك فإنها، فقط، إحياء لذاكرة شعب. من الأب المؤسس إلى الأبناء الذين اختزنوا كل هذه المعالم في بيئة يحرم عليها الله قداسة الأفراد ومن كان في شك في هذا فليذهب لمقبرة ( العود ) في قلب الحقيقة والحبيبة في الرياض ليشهد قبور الملوك إلى جوار مقابر الشعب. أعظم ما تركه كل الملوك ليس إلا أنهم كانوا في الحياة جزءاً من نسيجنا الاجتماعي: وهل الملك إلا رأس الأسرة العزيزة من هذه القبيلة؟ كان كل ملك يلعب دوره التاريخي وكأنه جاء بـ (المقاس ) مع ظروف الفترة.

وهل تاريخنا الحديث إلا الأب المؤسس؟ وهل سعود بن عبدالعزيز إلا مكمل المسيرة بعيد التأسيس ؟ وهل فيصل إلا ذلك الاستثنائي الذي بسط اسمنا على المسرح السياسي العالمي وثبت ( الأوتاد ) على أطراف الخيمة الخريطة؟ وهل خالد بن عبدالعزيز إلا وجه الخير وباعث التنمية الوطنية الحديثة؟ وهل (الفهد) إلا ذلك الصخر الصلب الذي لم يكمل مشوار أخيه في التنمية، بل تلك الصخرة الهائلة التي اتكأ عليها شعب في أحلك الظروف وأقساها فلم يغامر بشعبه إلى حروب استنزاف طائلة؟ وهل عبدالله بن عبدالعزيز إلا ذلك القائد الذي لا يناهزه شعبية بين أهله قائد على وجه الأرض؟ هو الملك الذي لا يضع شعبه، فقط، في مكان عينيه، بل هو الشعب الذي يقرأ سيرة الملك في ملامح وجهه. هو الصورة المألوفة في كل البيوت. هو الوجه البشوش الذي تشعر معه أنه لك في أحلك الظروف.

هو الملك الذي أخذ بلده إلى قلب نادي العشرين. هو الملك الذي وضع بالوفاء والحب، تلك المعادلة المستحيلة في علاقة الحاكم بالشعب: أن يشعر الشعب أنه هو الذي يمتلك هذا الملك، فمن هو الذي يراهن على كسر من عشر في شعبيته الطاغية؟ نعم: نحن دولة ابتدأت من( ثقب الباب) ومن مساحة بحجم الكف ومن أحلام رجل لم تكرر منه العروبة للأسف الشديد نسخة أخرى في هذا الزمن الصلد الصعب ولكن: سأظل فخوراً بهذه التجربة المدهشة في قلب معمل بالغ الاضطراب. شكراً لكل رجل كان مع عبدالعزيز، لكل مجاهد حمل خنجره في معارك الوحدة، لكل سعودي يحمل في يديه طوبة لبناء اليوم والغد: شكراً لـ (ذاكر) الرياض وهو يقول: الملك لله ثم لعبدالعزيز.