يسألني (أخو العرب) سؤالاً فيه بقيةٌ من دهاءٍ، فيقول: هناك تحاملٌ على سياسة المملكة الخارجية من بعض الشعوب العربية في (فيس بوك) وفي (تويتر) وفي القنوات الفضائية، ألا يوجد سببٌ لهذا التحامل في رأيك؟!

وكنت أتمنى من (أخي العرب) بحكم أنَّه أكبر مني سنًّا، ويُعدُّ (شاهدًا على العصر) أن يُنصف ويـُجيب على تساؤله بنفسه, فهو من جيلٍ عاش الثورات العربية التي جاءت على الدبابة، والثورات المضادَّة التي جاءت على الـ(فيس بوك), وخَبَر مواقف المملكة الثابتة وسياستها المنحازة لمصلحة المواطن العربي في كلا الزمنين، إلا أنه أصرَّ على أن أُسمعه رأيي.

يا أخا العرب: المنهج السعودي في السياسة الخارجية طوال قرنٍ مضى واضح الرؤية والرسالة والهدف (عدم التدخل في شؤون الغير ورفض التدخل في شؤوننا الداخلية). وهذا المنهج الأخلاقيُّ عقلانيُّ السياسة وحكيمُ الممارسة؛ هو أحد الثوابت التي ورثناها عن المؤسس (رحمه الله) وأثبتت نجاحها؛ فسارت عليها سياستنا الخارجية لتجنبنا ويلات الحروب والصراعات، والفوضى والمغامرات, لنتفرغ للبناء والتنمية لِلَّحاق بركب الحضارة وتبوء مركز الصدارة.

يا أخا العرب: المملكة لم تتخلَّ يومًا عن الشعوب العربية, فعندما كانت الثورات العربية والمدُّ الجمهوريُّ وقياداته تُحرِّض شعوبها ضدَّ المملكة متَّهمةً إياها بالرجعية: لم تقطع المملكة حبل وُدٍّ، ولم تحاسب شعبًا بجريرة قيادته وتهورها، وظلت واقفةً بكلِّ إخلاصٍ إلى جانب القضايا العادلة للشعوب العربية، وعلى رأسها قضيتها الأولى، وهي تعلم علم اليقين أنَّ ذلك واجبها الذي تُقدِّمه بغير منَّةٍ أو دعايةٍ إعلاميةٍ.

عندما وقفت المملكة مع مصر من الملكية إلى رؤسائها الثلاثة حتى مجلسها العسكري حاليًّا, فإنها إنمَّا وقفت مع شعب مصر، وساندت قضايا مصر، وعضدت الشقيقة مصر. وعندما ساندت العراق في التَّصدي لتصدير الثورة الخمينية فإنها كانت تقف مع (العراق/الشعب) ضدَّ اجتياحه من جاره الطامع بالتوسُّع. وبالمنطق العادل نفسه وقفت مع شقيقتها الكويت ضدَّ مبدأ الظلم والاجتياح نفسه، وتحمَّلت من أجل هذا المبدأ كثيرًا من التبعات والاتهامات. كذلك فعلت مع فلسطين ومع لبنان ومع سورية ومع السودان ومع الجزائر ومع اليمن ومع الصومال ومع ليبيا ومع بقية البلدان العربية، في جميع مواقفها المشرِّفة اقتصاديًّا وسياسيًّا, وقبل كلِّ ذلك أخلاقيًّا بدبلوماسيتها المتسامحة طوال تاريخها مع إخوانها العرب، وبـ(صبر الكبار) في سبيل هذه الأخوَّة، على الاتهام والإيذاء والتطاول والنكران. وقد تجلَّى هذا التسامح في أروع صوره وأنبلها في خطاب قائد التسامح والوفاء العربي في القمَّة العربية بالكويت.

يا أخا العرب: المعارضة في البلاد العربية تريد من المملكة أن تقف في صفِّها، والسلطة تريدها أن تقف معها، وكلاهما يرى أنَّ أيَّ موقفٍ للمملكة على الحياد فهو ضدَّه بالضرورة.

يا أخا العرب: نحن الذين سئمنا المزايدات، وسئمنا نكران الجميل، وسئمنا عضَّ اليمين، وسئمنا ثقافة الردح: ابتداء من (صوت العرب) وانتهاء بدهاليز الـ(فيس بوك) وسخريات الـ(تويتر) وتحريض معلِّقي الفضائيات الرخيصة، ومع ذلك فلم ولن نسأم أو نتخلَّى عمَّا اختارنا الله له من السعي البريء في رأب الصدع وإصلاح ذات البين، والتمسّك الراسخ باستقبال الطارق وإغاثة الملهوف وعلاج المريض وإجارة المستجير ومدِّ يد العون، بما يراعي ثوابت الإسلام الصافي والعروبة الخالصة، ولا يمسُّ جوهر مبدأ الانحياز إلى المواطن العربي، والحرص على مصالحه العليا.

نعم نحن الذين قدرنا الأخوَّة حقَّ قدرها، رغمَ تغيُّر مفهوم (التقدير والأخوَّة) في زمن الفضاء العربي من حميد الفعل إلى رخيص الكلام, فقد تغير كلُّ شيء عند (بني يعرب) إلا أسلوب (الظاهرة الصوتية)، فلا زال الأسلوب الوحيد الذي يحظى بوافر الإخاء والتقدير, وأصبح (اليعربي المعاصر) لا يعرف قدر (الأخ الأكبر) إلا عندما يسيء هو لنتسامح، وعندما يتورط هو لننقذ.

يا أخا العرب: عندما يستدعي الإخلاص وسلامة الموقف وصدق النيَّة وقدر الأخ الأكبر للعروبة: عبدالله بن عبد العزيز, فمن الطبيعيِّ أن يأتي خطابه بهذه القوَّة، صادعًا بضرورة تحكيم العقل في سورية، بعيدًا عن المجاملات الدبلوماسية الباردة على حساب دماء الأبرياء الساخنة, وما ذاك إلا استمرار للمبدأ الثابت نفسه في السياسة الخارجية السعودية..

يا أخا العرب: المملكة تريد الأحسن لكم، فلا تريدوا الأسوأ لأنفسكم.