موضوع اليوم عن كتاب يحمل مفاهيم فاعلة لها تأثير إيجابي على حياتنا وتحديداً على علاقاتنا ببعضنا الذي يظن مؤلفه وأنا معه أن لها علاقة وطيدة بالنجاح في الحياة. عنوان الكتاب" مبدأ الـ 100/0: سر تميز العلاقات": The 100/0 Principle: The Secret of Great relationships لمؤلفه آل ريتر.
يناقش الكتاب دور العلاقات في الحياة التي يقول عنها براين تريسي" إن 80% من الرضا في الحياة يأتي من العلاقات الإيجابية ذات المعنى مع الآخرين." ويطلب المؤلف من القارئ التفكير ملياً في أهم أمر في حياته. ثم ما يلبث أن يجيب: " إنه حقاً العلاقات مع الآخرين". ثم يسأل: إذا كان الأمر كذلك، فماذا تعمل لتجعلها كما يجب أن تكون في المنزل ومع أفراد العائلة والأصدقاء وزملاء العمل..وحتى مع رؤسائنا..أهم شيء نعمله أن نجعل أنفسنا، لا الآخرين، مسؤولين عن نجاح أو إخفاق العلاقات مع الآخرين وأن نأخذ نحن المبادرات لتطويرها (نبذل 100% ) منتظرين لا شيء(0%) بالمقابل من الآخرين مهما كانت مواقفهم أو ردود أفعالهم. حتى ولو كانت في غاية السوء وأن نستمر في ذلك. ويقول المؤلف إن تطبيق مبدأ 100/0 غير سهل على معظمنا ويتطلب تبنيا حقيقيا للعلاقة التي نحن بصددها، كما يتطلب جرعة جيدة من ضبط النفس للتفكير والفعل وبذل الـ 10%.
هذا المبدأ يطبق على الناس الذين يعيشون في حياتنا والذين تكون علاقاتنا بهم مهمة وتتطلب منا ردود فعل تلقائية أو حكيمة.. واختيار من يطبق عليهم هذا المبدأ يعود إلى الشخص نفسه.. لكنْ هناك أناس مهمون في حياتنا لابد أن يطبق هذا المفهوم عليهم، مثل زملاء العمل والعملاء في حالات رجال الأعمال وأفراد العائلة والأصدقاء.. ويتطلب ذلك أولاً ما يجب أن نعمله حتى نجعل العلاقة ناجحة.. ونظهر الاحترام والطيبة للآخرين سواء كانوا يستحقونها أولا يستحقونها. ثانياً ألا ننتظر نفس مستوى المعاملة من الآخرين، وإنما نقرر أن نفعل ذلك بصرف النظر عما يفعله الآخرون تجاهنا.. وثالثاً ألا نسمح بأن يؤثر علينا ما يفعله أو يقوله الآخرون من سلوك أو قول سلبي مهما كان مستوى سلبيته.. وينصح المؤلف ألا نأكل الطعم عندما تكون الاستجابة سلبية.. ورابعاً، وهذا مهم جداً، أن نستمر في مشاعر اللطف والطيبة هذه.. وينبه المؤلف إلى أن التجارب أظهرت أننا يمكن أن نتوقف ويصيبنا الملل بسرعة. يؤكد على الاستمرار على هذا المبدأ ويحذر التوقف العاجل أثناء تبني هذا المبدأ، خصوصاً عندما لا تكون استجابات الآخرين بنفس مستوى اللطف والطيبة. ويجب أن نتذكر دائماً أن القاعدة الذهبية في تبني هذا المبدأ.. ألا نتوقع أي شيء من الآخرين.." أي أن يكون مستوى توقعنا "صفرا" حتى ينجح تطبيق هذا المبدأ. ويشير الكتاب إلى أنه في أحوال قليلة سيكون هناك "تحدٍ" Challenge في العلاقة ويستمر هذا التحدي لفترة زمنية تختلف من علاقة إلى أُخرى.. وقد يرتفع مستوى هذا التحدي إلى مستوى الألم، أو ما قد نسميه إصطلاحاً بالعامية "يسم البدن" بالرغم من بذلنا الـ (100%) ومن مستوى تبنينا العالي ودرجة انضباطنا.. ويقول المؤلف إنه عندما يحدث هذا يجب أن نتحول من شخصية "العارف Knower" إلى شخصية "الذي يريد أن يعرف" Learner.. وهذا يتطلب تجنب استخدام عبارات العارف وأفكاره مثل "هذا لا يفيد ولا ينفع"، "الحق معي وأنت مخطئ"، "أنا أعرف وأنت لا تعرف"، " أنا سأعلمك"، "هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر" أو "أريد أن أقول لك ما أعرفه". هذه عبارات تتعارض مع تطبيق هذا المبدأ ويجب تفاديها.. وبدلاً من ذلك استخدام عبارات تعبر عن موقف المتعلم وعلى هذا النحو:
"دعني أحاول اكتشاف الأمر وفهم الموقف"، "قد أكون مخطئاً"، "لا أعرف إن كان هناك أمر ذو قيمة"، "لا أعرف إذا... إلخ. وبعبارات أخرى يجب تبني موقف الشخص الذي يريد أن يعرف بشغف ولديه فضول في المزيد لإعطاء الآخرين القيمة التي تجعلهم يتفاعلون مع هذا المبدأ وتتحقق أهدافه..
ويؤكد المؤلف أنه لا محالة سيحدث موقف متناقض Paradox أثناء تطبيق هذا المبدأ ويثير لدينا الغرابة والدهشة.. سيبدأ مستوى " %" في الارتفاع وتتحول علاقة "100/0" إلى " 100/100" وعندما يحدث هذا فإن نجاحاً حقيقاً يتحقق للأشخاص وبشكل مذهل.. وينتقل تأثير هذا النجاح من مستوى الأفراد إلى مستوى مؤسساتهم... وعوائلهم..
ويخلص المؤلف إلى أن أمر العلاقات مرتبط بالفرد نفسه.. فهو لا الآخرون مسؤول عن نجاحها أو فشلها..ومن هنا يتضح أن الفرد نفسه هو من يجب أن يسعى إلى نجاح علاقاته مع الآخرين.. الآخرون عادةً ما يستجيبون لما يحدث لهم بنفس المستوى.. فعندما يرون تعاملاً سلبياً تكون ردة فعلهم سلبية.. وبالمقابل تكون ردة فعلهم إيجابية إذا كان ما يجدونه من تعامل إيجابيا.. والجديد في الأمر أنه يمكن تحويل العلاقة من منتهى السلبية إلى مستوى عال من الإيجابية إذا استمر الفرد في تقديم مؤشرات إيجابية حتى مع تلقيه ردود فعل سلبية، لكن لا بد من الاستمرار في تقديم المؤشرات الإيجابية التي تكشف رغبة ملحة وحرصاً شديداً على حدوث علاقة جيدة من الآخرين.. الآخرون هنا يكتشفون هذه الرغبة ثم يبدؤون بالتفاعل الإيجابي ويتحول " %" إلى " 100% " لتصبح العلاقة " 100/100" ويتحقق ما نرغبه جميعاً من نجاح في علاقتنا مع الآخرين..
سيظن بعض من يقرأ هذا المقال أن هذه مثالية صعبة التطبيق، والذي أظنه مع الكثيرين أن هذا غير صحيح وأننا يجب أن نحمل أنفسنا مسؤولية إخفاق علاقاتنا مع الآخرين وأن نبدأ بالعمل على أن نكون ناجحين في علاقاتنا.. وهنا في هذا الكتاب وسيلة سهلة آمل أن نفكر فيها.
في الحياة، يقول المؤلف: إن المهم ليس ما نقوله للآخرين، بل كيف نقوله.