المدينة المنورة ستكون عاصمة للثقافة الإسلامية لعام كامل (1434 –2013)! والمفروض ألا تكون "المنورة" عاصمة للثقافة الإسلامية في عام واحد، بل ينبغي أن تكون عاصمة لهذه الثقافة، بكل مكوناتها وقيمها وإبداعها، على مر العصور.. فهي حاضنة نبي الرحمة وواحة السكينة التي اطمأن إليها وحوته مشاعر الأنصار فيها، قبل أن تظل سيوفهم مسيرة الهدى من شمس الشرك والظلم والعدوان. ويفخر ثراؤها باحتضان صفوة الخلق وكوكبة الصدق التي رفعت راية الحق خفاقة في العالمين. وفي طرقاتها مشت الفضائل مجسدة في الرعيل الأول من المسلمين، بكل ما يمثلونه من قيم وأخلاق. وبين سواري مسجدها وعلى منبره انطلق خطاب هذه الأمة إلى العالم، يشع نور هذا الدين، ينشر ضياءه على الكون، تنساب تعاليمه في النفوس، باسطة العدل والإنصاف والإخاء والدعوة إلى تحرير العباد من رق الجبروت والطغيان.. وعلى أرضها تشكل منهج التعايش مع المخالفين، وتأسست مبادئ الرحمة بهم والعدل معهم، فلا تظلم أقلية ولا يسلب حقها ولا تنتهك حرماتها إلا إذا غدرت بالوعد أوخانت العهد.. وفي مزاجها المعتدل "تآخى" الشرعي والثقافي، فتناغمت الفنون والآداب حتى قيل عنها "الأرض الشاعرة". وهذه الشاعرية والرقة والذوق الرفيع وحب الفن والحياة هذبتها روح التدين السمح، فتضوعت طرقاتها بأريج الشمائل المحمدية، فسرت في الأرواح ووطأت الأكناف وطمأنت القلوب وهذبت السلوك، فلا يقيم على أرضها أحد إلا صبغته بطبيعتها الرقيقة الهادئة المطمئنة حتى أصبح "السلوك المدني" سمة يعرفها من يعاشر أهلها فهم يتأسون بالقدوة الحسنة ويتمسكون بآداب الجوار الكريم، يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في أنفسهم غلا للذين طاب لهم العيش فيها.. وهذه "الطيبة" يتشوق لرؤيتها الملايين ويحن لعبق روضتها المحبون، ويطمئن في أجوائها المؤمنون، يدرسون تاريخها ويتتبعون آثارها، ويحتفون بمعرفة ما جرى على ترابها من مواقف ودروس وعبر، تربطهم بثقافتهم وترسخ في وعيهم معاني حضارتهم وقيمها التي تسهم في الرقي بالإنسان، والاحتفاء بالإنجازات البشرية على العصور.. وهذه "الدار" التي يشع نورها في جوانح الملايين، تعيش في هذا العصر الزاهر، نهضة عمرانية واقتصادية وتعليمية غير مسبوقة، لكنها أدت - للأسف- إلى تغيير الكثير من ملامحها حتى كادت "تفقدها الذاكرة"، بل الحقيقة أنها أصبحت مدينة بلا ذاكرة، بعد أن انطمست غالبية آثارها "بهواجس" غير مبررة و"مخاوف" مفتعلة غيبت شواهد التاريخ. كان الوافد إلى هذه "المدينة التاريخ" يأتي من مشارق الأرض ومغاربها وقد امتلأت جوانحه شوقا إلى مرابعها ليستعيد ما وعته الذاكرة من تاريخها، ويستحضر ما قرأه في الكتب عن المواقع والحوادث وتتبع مسرحها على صفحات الكتب، وكان يمني النفس بأن يملأ عينيه من هذه المشاهد على الأرض.. وكان أبناء العالم الإسلامي يغبطون أهل المدينة ومن يأتيها من زوار، لأنهم رأوا بأعينهم أين وقعت المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام.. لكن للأسف فإن أبناء المدينة اليوم من الشباب لا يقلون جهلاً بآثار مدينتهم عن أبناء العالم الإسلامي، بل إن البعد والشوق وعدم "الحساسية" ضد الآثار أعطت البعيدين دافعا وتطلعاً لمعرفة آثار الإسلام أكثر ممن يكاد يرقد على أثر ويصبح على آخر، وتطأ أقدامه في كل يوم موطئا مر عليه صحابي أو تابعي، دون أن يدرك هذه الخصوصية التي ينعم بها.

المدينة كلها "مسرح طبيعي" لتاريخ الإسلام وثقافته وقيمه، كان الوحي يتنزل على نبي الهدى والرحمة في طرقاتها وأوديتها وحول آبارها وعلى جبالها. وكان صلى الله عليه وسلم يمشي على هذه الأرض ـ "المحظوظة" بخطواته ونوره، والمحظوظ أهلها بالانتساب إليها ـ يطوف بأرجائها قائدا يؤمن أسباب سلامتها من كيد أعدائها، ويسير في دروبها وطرقاتها متفقدا أحوال أهلها، معلما ومرشدا، يزور أحياءها متعطفا متلطفا مع أصحابه وأهل نصرته الذين يحبون من هاجر إليهم.. وفي كل بقعة منها له أثر من خطبة أو صلاة أو موعظة، فيسارع محبوه لتحديد ذلك المكان طلباً لتتبع آثاره، وجاء من بعدهم الذين يحرصون على تتبع آثاره فصانوها وحفظوا مواقعها..

والاحتفاء بالمدينة المنورة باعتبارها عاصمة للثقافة الإسلامية عام 1434، مناسبة تستعيد فيها ما فقدته من ذاكرتها، وفرصة تساعدها على تلافي ما فسد والإبقاء والعناية بما بقي من الآثار.. وما يحيي الأمل في هذه السبيل، أن أميرها عبدالعزيز بن ماجد معني بهذا الأمر مهتم بالآثار والمحافظة عليها، وتحسين أوضاعها وصيانتها، مشغول بالبحث عن الأساليب الحديثة التي تحقق هذه الأهداف. فقد قال سموه لـعكاظ 9 /8/ 1432هـ: إن المدينة تفتقر إلى البيئة الثقافية الملبية للمتطلبات العصرية إذ لا يوجد فيها مركز للمؤتمرات. "عندما بلغني أن هناك تجرؤاً على بعض هذه الآثار والتقليل من قيمتها ومنع زيارتها اجتمعت بمسؤولي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فناقشتهم وقلت لهم: إن هذه أرض خلقها الله رب العالمين ومرت بمراحل تاريخية عظيمة تمثل عصر النبوة.. أما إن كان يمارس فيها ما يخالف العقيدة السليمة كالبدع، فهذا ذنب الزائر الذي مارس هذه البدع فعليكم بتوجيهه". وتحدث عن "إنارة" جبل أحد. وهي فكرة جذابة ستجعل هذا المعلم التاريخي نقطة إشعاع يراها القادم إلى المدينة في الليل من مسافة بعيدة، وستضفي جمالا ورمزا يؤكد عنايتنا بالثروة الآثارية التي لا ينافسنا فيها أحد.. إن آثار المدينة "كنز" معنوي لا يوجد مثيل له على الكرة الأرضية، ومن المعيب ألا ينال منا ما يستحق. لدينا "مسرح" لمعركة أحد الخالدة لماذا لا نجعل هذا الموقع شاهداً على صورة الفداء والتضحيات التي بذلتها العصبة الأولى من حملة هذا الدين؟

إن الاحتفال بالمدينة عاصمة للثقافة الإسلامية يتطلب أن نعيد النظر في علاقتنا بالآثار، فهي الشواهد المحسوسة على مواقع التاريخ، وبمعرفتها تترسخ المفاهيم وتدرك العبر فهل نحافظ على الباقي من الآثار، ونحدد مواقعها ونوفر لها ما يصونها؟