قبل أن تُكتب في بطاقة منتخبنا صفة "بطل"؛ كانت قلوبنا لا تعرف لذةً اسمها "لذّة الانتصارات والبطولات"، وكانت مباريات منتخبنا الوطنيّ شيئاً يشبه الكوابيس، إذ لم نكن قادرين على تحقيق بطولة، أو تسجيل منجز، أو الفوز على منتخباتٍ عربيّة وآسيويّة قريبة وبعيدة، حتى صارت هذه المنتخبات شبيهةً بعقدةٍ في حبل الأمل، فلا هي تحل، ولا هو ينقطع.

في دورة الخليج السابعة، بسلطنة عمان، كاد منتخبنا أن يكون في الذيل، تحت إشراف المدرب البرازيلي زاجالو، حتى هاتف الأمير فيصل بن فهد ـ رحمه الله ـ خليل الزياني، وطلب منه السفر إلى مسقط، ليشرف على تدريب المنتخب فيما تبقى من مباريات الدورة.

سافر الزياني من فوره، وعاد بالمركز الثالث، ومعه درجةٌ عالية من الرضا الشعبي والرسمي، عمّا قدمة الأخضر، تحت إشراف الزياني.

بعد دورة الخليج تلك، كان أمام المنتخب، بطولة وتصفية، هما: "لوس أنجلوس"، و"كأس آسيا"، والزمن أقصر من أن يجلس الزياني على كرسيٍّ بجانب مدرّب آخر، وأقصر من تغذية الأيام بمدربٍ "خبير"، يأتي من وراء الغرب الأقصى، بل أقصر من أن يُطالبَ الزياني بهما معما، أو بالحد الأدني من إحداهما.

غامر الزياني، وأضاف إلى تشكيلة النجوم، نجماً جعل المنتخب السعودي ينضم إلى فئة "الخمس نجوم"، فجاء بشابٍّ لما يبلغ العشرين، اسمه محيسن الجمعان.. جاء به وكأنه يراهن عليه، ليكسب الرهان وتشتعل الجهة اليسرى بنشاط الجمعان، ونرى منتخباً لن يتكرر، يحوي خبرة الخارقين، أمثال: ماجد عبدالله، وصالح النعيمة، وفهد المصيبيح، ويوسف خميس، وشايع النفيسة، وخالد المعجل، وآخرين من اللاعبين النادرين روحاً وأداءً.

كانت لنا كأس آسيا 1984، وتأهلنا إلى "لوس أنجلوس"، وكانت مبارياتنا شبيهةً بتكسير يباس الماضي غصناً غصنا، ليحل محلّه الاخضرار ورقةً ورقةً.

يااااه.. لا أحد يستطيع التصديق، ولا أحد يستطيع أن يضع حدّاً لحجم المنجز، ولا نهايةً للفرحة التي صبّحت وليّلت في قلوب السعوديين، حتّى صارت الفرحة شبيهةً بـ "خبْطة المسّ" وطفرنا فرحةً وفخراً، "والمدرّب ياسلام.. نشمي من أهل البلد"، و "الله الله يامنتخبنا".. هذه المشاعر، وتلك الأوليّات، لا تنسى صانعَها الحقيقي، خليل الزياني.

الناقدون المتحذلقون يقولون: إن أبا إبراهيم، لا يجيد غير الجانب النفسي، ولا يمتلك القدرة الفنية، ونقول: هبونا فريقاً كفريق الزياني، ومنجزاتٍ ـ على غير مثالٍ سابق ـ كمنجزاته، وروحاً تتجيش وتتكوّر، في أصعب اللحظات، كروح ذلك المنتخب، واقذفوا بهباء الجوانب الفنية في الفضاء، ثم اجلسوا أيها الناقدون للنقد فقط، على أحباركم المتخثرة.

خليل الزياني، المدرب واللاعب، علامة فارقة في تاريخ الرياضة السعودية، منذ كان شبلاً أنيقاً في نادي الاتفاق ـ قبل أن يولد النقاد الرياضيون ـ حتّى ذقنا به طعم أن ننتصر، وعرفنا بفريقه معنى تأصيل الفرح، وله علينا أن نُشهد المطر على ماكان منه، ومن منتخبنا ـ تحت المطر ـ في "سنغافورة"، لتعرفَ الأجيالُ أيّان كان مبتدأ الفرح؟ ولماذا يتكاثر الحزن مع أيّ إخفاق؟