حالما تصل إلى مسامعك التصريحات الأميركية الأخيرة بشأن الوضع في سورية تعتقد بأنك أمام عرافة أو (قارئة الفنجان) التي تأخذ كلماتها بكثير من التشكيك وقليل جداً من التصديق.

ولا أدري سبباً لفوضوية تلك التصريحات المتعجلة، التي تجانب واقع الحال في المشهد السوري على وجه الخصوص والشارع العربي بشكل أعم. لكنها (التصريحات الأميركية) تجانب كل صواب أمام أعين الناظرين، وعقول المتأملين. السياسة الأميركية الخارجية تعودت على إقناع العالم بدقة حساباتها حتى تلك الكاذبة منها كما حدث إبان غزو العراق، باعتمادها على آلية الإحصائيات والمؤشرات المدروسة، وشكلها البياني الكمي والوصفي والمبني على النتائج المعيارية في اتخاذ قراراتها ومواقفها السياسية. لتقدمها بما يدعمها كدليل يبرر توجهها، ويعزز من مواقفها لاحقاً. لكنها أخيراً بدأت بالتنازل عن ديدنها ذلك على ما يبدو. فإطلاق تصريح بحجم الدعوة للتفكير في مرحلة ما بعد الأسد، من الواضح أنه يتناقض ولا يتوافق مع ما هو معاش وملموس على الأرض. فقبضة الحكومة الحديدة الشرسة، لا تعلن عن نفسها وحجمها فقط، بل وتقول بما هو أكبر من ذلك بكثير. وهو تصريح يوحي بعدم اكتراث لنتائجه، ويحضر لحمام دم متوقع أكثر فظاعةً قد يدخله الشارع السوري لا سمح الله.

هذا السلوك المشوش الذي تنتهجه السياسة الأميركية الخارجية تجاه متغيرات الشوارع العربية يبعث على الاستغراب حقاً.

أوروبا تحولت لما يشبه التوابع المتوجسة الفاقدة لثقتها، وبدورها تبارك الأطروحات الأميركية، لكنها حذرة كفاية في مواقفها على الأرض، بخلاف الدور الأميركي الذي يتحرك كعادته يميناً وشمالاً على رقعة الخارطة العربية.

لا أتوقع أن أميركا خانها الذكاء هذه المرة، فالذي يعتمد على سياسة التركيز ليس من السهل عليه أن يفرط فيه جزافاً ولكلٍ حساباته هذا مؤكد. وهذا ربما ما تريد منا تلك القوة اللاعبة التماهي معه وهضمه ولو على مضض دون طرح الأسئلة والاستفهامات طبعاً. حتى على الرغم من وضوح الرؤية في اللوحة.

التصريح الناري السابق لأوانه حسب رأيي يقول الكثير عن المرئيات الأميركية فيما يخص الشأن السوري، فمن جهة هي مطالبة بالظهور على المشهد كقوة وحيدة في العالم ولا ترغب أن يفوتها شرف توقيع اسمها في وسط الورقة لا في طرفها بالتأكيد، ومن جهة أخرى تخشى أميركا من إضاعة فرصة لعب دور مهم في المشهد يستسيغه الواقفون على حافة الوضع، كما تخشى أميركا أن يذهب التفكير العربي والنظام الحاكم كعادته للجانب الإسرائيلي الذي يجد من خلاله شماعة ليعلق عليها أخطاءه المثقلة بهموم المواطن العربي وآلامه. وما شجعها على ذلك الأمر هو تأخر المواقف العربية السياسية وصمتها تجاه ما يحدث في سورية تحديداً. وذلك نتيجة خوف كثير منها من إمكانية تعرضها لمثل ما يحدث عند أخي وجاري. هذا الشعور المخجل هو ما تقف عنده بعض الأنظمة العربية. الدول الخليجية التي تحركت أخيراً بشكل شبه جماعي، ربما وقع بعضها تحت ضغط الموقف السوري من غزو العراق للكويت في مطلع التسعينات، وشعورها بضرورة رد الجميل الذي قدمته سورية (حافظ الأسد) في ذلك الوقت، وهو ما تحدثت عنه بعض أطراف النظام الحاكم في سورية علناً على بعض القنوات العربية والأجنبية أيضاً. لكن الدول الخليجية أدركت أخيراً أن مواقفها يجب أن تتعامل مع ضمائر الشعوب لا الأنظمة المستبدة الدموية. وكان أبرزها على الإطلاق الموقف السعودي ممثلاً في كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، التي طالب فيها النظام الحاكم في سورية بضرورة احترام الإنسان والمواطن العربي عموماً والسوري على وجه الخصوص، وحفظ حقوقه في كل مكان وزمان. لقد عبر الموقف السعودي عن قوة الأرضية التي ينطلق منها، ولقد عبر الشارع السوري من جهته عن موقفه من ذلك برفع صور خادم الحرمين والأعلام السعودية في ساحات وشوارع المدن السورية، كردة فعل عقب تلك الكلمة التي تحلت بالكثير من الحكمة والاتزان، وعبرت عن الحرص الحقيقي تجاه هموم الإنسان العربي. ولقد كان ذلك تجسيداً لا مراء فيه لمصداقية الإحساس والعلاقة بين الإنسان العربي وأخيه العربي. كلمة قصيرة وموقف دبلوماسي سعودي فقط استطاعا صنع الخلخلة المطلوبة داخل أجواء معادلة الوضع والمجتمع السوري، وتركا انطباعاً مشجعاً لكل الأنظمة العربية والعالمية في اتخاذ مواقفها السياسية الحالية، أو تلك التي ستعقبها بكل تأكيد، بل وأجزم بذلك.

وهو عكس الانطباع المحبط الذي تركته التصريحات الأميركية. والتناقض هنا يُبرز حقيقة البعد بين العقلية السياسية السعودية المسؤولة ونظيرتها الأمريكية. وتقول الكثير حول من يهمه الأمر ويعنيه قلباً وقالباً، ومن لا تهمه سوى المصالح الخاصة، بغض النظر عن نوع وحجم الضرر أو هوية المتضرر.

العرب سيبقون عرباً حتى وإن تحدثوا بغيرها، فالدماء التي تسيل في العروق لن تنسى كروموسوماتها، وكريات دمها البيضاء ستحضر حتى في ظل طغيان الحمراء منها بعض الوقت. ولن تتخلف عن مواعيدها، ولن تجعلها المواقف المحرجة إلا أكثر قوة وجرأة.