هذه فكرة إعلامية، لا تصلح للصحافة الورقية، وإنما للتلفزيون والإذاعة (القناة السعودية الأولى تحديدا وإذاعة الرياض) ثم الصحف الإلكترونية والمنتديات التي يمكنها إشاعة الفكرة نقلا عن التلفزيون والإذاعة، ولكن لا التلفزيون ولا الإذاعة يمكنهما تنفيذ الفكرة ما لم تكن الوزارات المعنية بالشعير استيرادا وتسعيرا وتوزيعا مهتمة بها موفرة للمعلومات المطلوبة للتنفيذ يوميا، والفكرة ليست من بنات أفكاري ولا ذكورها، وإنما هي من مطالب وأماني أحد مستهلكي الشعير الذين لا يدرون أين تكمن الأزمة هل هي عند المستوردين والموزعين أم عند المستهلكين أم عند الحكومة؟ فالمستهلكون يثقون في وزارة المالية التي تقول الكميات المستوردة كافية، وهم يثقون في وزارة التجارة التي تهدد وتتوعد من يرفع التسعيرة بريال واحد، وهم يثقون في وزارة الداخلية ممثلة في الشرطة التي تقبض بشكل شبه يومي على شاحنة مهربة من هنا وأخرى من هناك، وثالثة تبيع بأضعاف السعر، وهم – المستهلكون – يثقون في وزارة الزراعة التي تقول عبر فروعها إن الكميات غير كافية والتوزيع غير عادل، وباختصار هؤلاء المستهلكون يثقون في الحكومة ويصدقون الوزارات المعنية بالشعير فيما تقول وتصرح، وهم لا يريدون التدقيق في أي كلام أو تصريحات متناقضة، لكنهم في النهاية يصدقون أنفسهم وواقعهم أكثر، حيث لا شعير موجود، فكيف يجمعون بين الثقتين: ثقتهم في الوزارات المعنية بالشعير وتصديقهم لتصريحاتها التي كلها تؤكد وفرة الشعير بالتسعيرة المحددة، وثقتهم في أنفسهم وتصديقهم لواقعهم حيث لا شعير موجود إلا نادرا وبأسعار باهظة؟ للجمع بين الثقتين ابتكر أخونا المستهللك هذه الفكرة الإعلامية التي يمكن تنفيذها يوميا عبر التلفزيون والإذاعة.

الفكرة بسيطة جدا ومنطلقها الأساس الذي بنيت عليه أنه لا توجد أزمة شعير مطلقا كما تقول الوزارات المعنية به، وطالما الأمر كذلك فلابد أن هناك خللا ما أفضى إلى ما يشهده سوق الشعير من أزمة، وللقضاء المبرم على هذا الخلل ولدت هذه الفكرة التي تقول: هناك مستورد وحيد للشعير تحت إشراف المالية ولدى هذا المستورد محطات توزيع معروفة للمالية والتجارة في مناطق معينة ولنفترض أنها في جدة وفي المنطقة الشرقية حيث الموانئ، ولدى هذا المستورد موزعون كبار(هوامير توزيع) معروفون لديه وبالضرورة معروفون لدى الوزارتين المعنيتين، ولدى كل موزع كبير من هؤلاء موزعون أصغر معروفون لديه (وبالضرورة لدى الوزارتين) في مختلف مناطق المملكة المستهلكة للشعير، وبهذه الصورة يكون في كل منطقة أو مدينة أو محافظة (حسب الأهمية التي تحددها كمية الاستهلاك) موزع معتمد أو أكثر لا يوجد شعير إلا عنده، لأن هناك خطة محكمة التنفيذ لا تسمح بوصول الشعير إلى غيره مطلقا، وما على وزارة التجارة أو المالية سوى تدوين أسماء وعناوين هؤلاء الموزعين في مناطقهم أو محافظاتهم والكميات الواصلة لهم يوميا والأسعار المحددة عند كل موزع بالاسم، وتسليمها للقناة الأولى وإذاعة الرياض ليتم تحويلها إلى برنامج يومي عنوانه (من أين تشتري الشعير اليوم) والبرنامج يمكن أن يكون تحت رعاية المستورد الرئيس للشعير أو الموزعين الكبار، ويمكن أن يتضمن حوارات مع المسؤولين يتحدثون عن مهاراتهم في صنع الخطة والدقة في تطبيقها، ومع المستورد الرئيسي يتحدث عن معاناته في جمع الشعير بمفرده من أودية العالم، ومع الموزعين الكبار يتحدثون عن التزامهم بالكميات والأسعار المحددة في كل منطقة، ومع المستهلكين يتحدثون عن حصولهم على الكميات التي يحتاجونها، وأهم من ذلك عن فوائد البرنامج التلفزيوني أو الإذاعي في خدمتهم، وكيف وأين يتابع كل منهم البرنامج، وأخيرا يمكن للبرنامج التلفزيوني أن يعرض صورا حية من مناطق مختلفة لقطعان الجمال والأغنام وهي تجتر، وأكياس الشعير تحيطها من مختلف الجهات، وهكذا تصبح الأزمة – وأي أزمة مماثلة – في خبر كان، وليس هي فقط بل وحتى مفتعلوها، والصائدون في مائها العكر، والمنتفعون من فوضاها وسواد أسواقها، وقبل أن أختم لا بد أن أذكر أن الفكرة تنطلق أساسا وتقوم على أنه لا توجد أزمة شعير فعلية، وإنما هي مفتعلة، أما إن كان هناك أزمة فعلا، فإن الحل يكمن في جمع تجار الشعير الممنوعين من الاستيراد الآن وأظنهم 12 تاجرا ضخما مع وزير المالية ووزير التجارة ويجلسون جميعا في اجتماع مغلق يرأسه سمو النائب الثاني وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز ليسألهم لماذا الأزمة وما سببها وما حلها؟ ويطلب سموه من التجار أن يشخصوا الوضع بجرأة وصراحة، وحينها لعل الخلل اليقين يتضح.