عندما تتابع ما نُشر حول براءة المشتبه به في قضية مغتصب الصغيرات وتشاهد مقاطع الفيديو التي يدافع فيها إخوته عنه والحديث عن الأدلة وتهافتها، يدور في ذهنك العديد من الأمور، ربما يكون أولها - وقد يبدو غريباً على البعض- أنك تشعر بأن الدنيا مازالت بخير، فهاهم إخوته يخرجون بشجاعة إلى الإعلام ليثبتوا باستماتة براءة أخيهم؛ ليذكروك بواجب الأخ تجاه أخيه، فتتمنى في داخلك لو كان ذلك متضافراً مع إيمان حقيقي ببراءته، الأمر الآخر أنك تشعر بأن الحديث عن الأدلة يثير الدهشة، وخصوصاً عندما يذكر الإعلام أن تحليل (DNA) أُخذ من زجاجة ماء تركها المتهم في المكان الذي تم فيه اغتصاب الطفلة التي تعاني مرضاً نفسياً؛ لأن القضية لا يوجد فيها زجاجة ماء مطلقاً، بل أخذ التحليل من شيء آخر، فكيف استبدلت تقارير الإعلام هذا الشيء بزجاجة مياه؟

في الواقع، إن صمت الأمن العام جيد حالياً، وإن كنا تمنينا لو أنهم صمتوا منذ البدء، فالأذى من تلك الثرثرة غير المسؤولة لم يطل المتهم فقط، بل تجاوزه للصغيرات اللواتي وجد ذووهن صورهن منشورة في النت والصحف بطريقة لم تحترم فيها طفولتهن، على كل حال أن تصمت أخيراً خير من ألا تصمت أبداً.

إن هذه القضية تفتح الباب لنا لمراجعة دور الأمن في الأسواق والحدائق، وهل المراقبة فيها مجدية؟ لِمَ لم يتحرك رجال الأمن القابعون خلف كاميرات المراقبة من مقاعدهم عندما رأوا المجرم يتحدث لطفلة يبدو أنها ضائعة؟ هل لأنهم نسوا واجبهم ومهمتهم وتركوا الكاميرات تدور وحدها وهم يتسلون مثلاً؟ ولماذا لا يكون معهم رجل من الشرطة كمراقب لعملهم، كما أن هذه القضية تدفعنا لفتح باب مناقشة الأحكام التي صدرت في حق المعتدين على الأطفال، وهل هي من الصرامة بحيث توقف سلسلة الاعتداءات التي تخلف أطفالاً ممتلئين بالجراح ويصبحون عنيفين عندما يكبرون ويرتكبون جرائم نتيجة تراكم الأسى في قلوبهم الصغيرة، كما فعل الطفل سامر في خميس مشيط عندما قتل المعتدي عليه، وخصوصاً إذا علمنا أن الدراسات النفسية تؤكد أن المعتدي على الأطفال لا يرتدع؛ لذا يحكمون في أمريكا عليهم بالمؤبد، ويناقشون الآن مقترحات بشأن حرمانهم من رجولتهم التي انتهكت براءة الأطفال، في الوقت الذي تراوح فيه الأحكام لدينا بين أربع وست سنوات وأحياناً أقل، وهذا بلا شك ليس برادع ولا كافٍ للقضاء على مثل هذا الانتهاك المشوه للطفولة في بلادنا.