الثبات هو طابع العقل التسليمي، ولذا لم يكن البحث فيه يحتاج إلى منهج تاريخي ولكن الشك في المقابل، حركة وتغيير، ولذا لا أرى أنه يمكن تفهمه دون تتبع حركته في التجربة التاريخية. وإن كنا نعرف التسليم حق المعرفة ونعيش تفاصيله كل يوم ونرى أثره ودوره في التاريخ فإننا أيضا نعرف أن هناك خطرا دائما على هذا اليقين، خطر قليل الحيلة ولكنه لا يغيب، يختفي طويلا ولكنه يعود. إنه الشك، الرفيق القرين لليقين. في كل دعوات التسليم كان هناك بالضرورة تحذير من الشك باعتبار أنه سيقوم بعملية التوقف والتردد في المشروع القائم، دائما هناك مشروع يتحرك باسم التسليم. يمكن أن نقول إن الشك نشأ من عمق اليقين كتعبير عن حرية الإنسان وقلقه وعدم اطمئنانه لما يحيط به. كانت المعرفة التسليمية مفروضة فرضا باسم السلطة محاولة إلغاء قدرة الفرد على التفكير ولكن تلك المساحة القابعة بداخل عقل وروح كل إنسان، تلك التي تعبر عن حريته وإنسانيته هي التي أبقت على وميض أمل، على وميض شك.

كان الشك في التاريخ عبارة عن ومضات بسيطة وسط عالم التسليم، لكنها ومضات راسخة وذات أثر كبير. سنحاول أن نتعرف على ما أسميه العقل الشكي، أي مجموعة المقولات والآليات التي تتأسس على فكرة الشك في المعرفة، وبالتالي فهي تشرّع باستمرار للتساؤل والنقد وضرورة التجاوز للسائد والقائم. هذا العقل يقف في مقابل العقل التسليمي. لا يعني هذا أن هناك حدا فاصلا ونهائيا بين العقل الشكي والعقل التسليمي، فهما في الغالب متجاوران، فدائما هناك تسليم وهناك شك. تجتمع هذه الثنائية في الثقافة كما في الفرد ذاته. فلا يوجد إذن تسليم مطلق ولا شك مطلق. ولكن ما يعطينا القدرة على الحكم على ثقافة ما أو مجال معرفي ما أو نتاج فكري ما بأنه شكي أو تسليمي هو مستوى الحرية في تلك الثقافة. فحين تكون المقولات التسليمية هي ذات السلطة الكبرى والمؤثرة في الواقع فإن التسليم هو السمة في ذلك الحين. أما حين تكون السلطة في جانب النقد والسؤال وحرية التفكير والتعبير فإننا في إطار العقل الشكي ويمكننا اليوم بناء على هذا المعيار القول إن العقل المسيطر في الثقافة الإسلامية هو العقل التسليمي وأن العقل المسيطر في الثقافة الغربية هو العقل الشكي. كما يمكن أن نقول أن العقل المحرك للعلوم اليوم والفلسفة هو العقل الشكي في حين شكّل العقل التسليمي جملة العلوم في العصور الوسطى، كما أنه سمة الدراسات اللاهوتية في الغالب.

أبرز مدرستين قامتا على الشك في الفلسفة اليونانية هما السفسطائية والشكية اللاأدرية. المدرسة السفسطائية ومن خلال النظرة الحديثة لها هي تعبير عن إعادة الاعتبار للإنسان في تكوين المعرفة، فالمعرفة بهذا الاعتبار هي معرفة ذاتية ولا يمكن أن ندعي إمكانا موضوعيا لها. ولذا اعتبر السفسطائيون الإنسان هو مصدر المعرفة ومنبعها الأساسي. وبهذا فإن الشك السفسطائي هو شك في موضوعية المعرفة وإن كان يمكن قيامها ذاتيا.أي أن المعرفة الذاتية ممكنة والمعرفة الموضوعية مستحيلة. أما مدرسة الشكاك بفرعيها، مدرسة فورون أو الأكاديمية الجديدة فقد شكوا في إمكانية قيام معرفة يقينية ذاتية أم موضوعية. ولذا سمّوا باللاأدريين، وكان الموقف الصحيح عندهم هو الصمت والتوقف عن إصدار أي حكم في المعرفة، وإذا كانت دواعي الشك عند السفسطائيين هي ذاتية المعرفة ونسبيتها بالتالي فإن دواعي الشك عند الشكيين هي أولا: تناقض الآراء (إذن فلا وجود للحقيقة)، ثانيا: النكوص إلى غير نهاية (باعتبار أن كل دليل يحتاج إلى دليل آخر وهكذا دواليك بلا نهاية)، ثالثا: ضرورة التسليم بفرضيات لا يمكن التأكد من صحتها (المسلمات)، الوقوع في حلقات مفرغة (إذ العقل الذي يبرهن مثلا على مدى قيمة كالعقل لا يمكنه إلا أن ينطلق من برهانه من مبادئه الموضوعية موضع الشك).رابعا: نسبية الآراء. (جلال الدين سعيد،معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية،صـ259).

وبهذا تكون المدرسة الشكية أكثر جذرية في مبررها للشك، ولذا أوقفت أي إمكانية للمعرفة، خصوصا النظرية. وبرأيي أن الشكاك أوقفوا أي إمكانية في المعرفة باعتبار أنهم لا يزالون في إطار النظام المعرفي الذي يفرض أن تكون المعرفة يقينية، فإما أن تكون المعرفة يقينية أو لا تكون. سنعرف لاحقا أنه ومن خلال تبدل النظام المعرفي من النظام التسليمي إلى النظام الشكي فإن شرط يقينية المعرفة لم يعد معتبرا، بل إن احتمالها ونسبيتها هو الشرط المعتبر في اعتبار المعرفة خصوصا العلمية منها.

أنتجت هاتان المدرستان بالتأثير المضاد المدرسة الطبيعية أو الفلاسفة الطبيعيين، سقراط، أفلاطون، أرسطو الذين رفضوا دعوى عدم إمكان التأسيس لمعرفة موثوق منها ولكنهم أعادوا النظر في مناهج البحث من خلال بحث عن الحقيقة يسير في الخط الوسط بين الوثوق الأعم بدون دليل من العقل والحس وبين الشكية المطلقة التي تنفي إمكان قيام معرفة موضوعية تستحق الثقة. لكن ثمرة الفلسفة عند أفلاطون وأرسطو أنها معرفة لا مجال فيها للشك باعتبار أنها تمثل الحقيقة والحقيقة ثابتة ومطلقة، عالم المثل عند أفلاطون والواقع المحسوس وجواهر الأشياء عند أرسطو.

لقد كان الشك هو المحرك الأكبر في الحراك الفلسفي في التاريخ اليوناني، التاريخ المذهل بتنوعه وتجدده المستمر. ميزان السلطة في ذلك الوقت لم يرجح نهائيا إلى طرف من الأطراف، كانت التعددية في المجتمع والديموقراطية السياسية تهيئ الجو للتفكير الحر ولإمكان الشك، إلا أن التصور العام عن المعرفة في ذلك العصر لا يزال يضع لها شرط الضرورة والإطلاق ولم يكن يتصور معرفة نهائية نسبية إلا في حدود ذلك التيار السفسطائي الذي انشغل في مجادلة المذاهب الأخرى، انشغل بهدم المذاهب الأخرى ولم ينشغل بتأسيس معرفة نسبية في ذلك الوقت.